رؤية الأنف وهو يعود فجأة إلى مكانه في الوجه بعد أن غاب أو تغير صورة تحمل في الغالب إحساسًا بالراحة. ويحسن أن يُفهم من البداية أن الرؤيا رمزية في الغالب وليست إخبارًا حرفيًا بما سيقع. فالمنام يعبر بالصور عما يدور في النفس من آمال ومخاوف، ولا يصح أن يُحمّل أكثر مما يحتمل. ولذلك يحسن أن يقرأ الرائي الصورة بهدوء وأن ينظر فيها بميزان معتدل. ومن المفيد أن يتذكر كيف عاد الأنف، وهل عاد كما كان أم بهيئة مختلفة.
الأنف يرتبط في الرموز بالكرامة والهيبة والسمعة والمكانة بين الناس. ويرتبط كذلك بالتمييز وحسن التقدير، وبحاسة الشم التي ترمز إلى الاستشعار والتقاط الإشارات الخفية. فعودته المفاجئة قد تعبر عن استعادة الرائي لشيء كان يخشى فقده، كالثقة أو المكانة أو وضوح الرأي. وقد تدل كذلك على انتهاء مرحلة ارتباك وبداية مرحلة أكثر ثباتًا. وقد تكون أيضًا تعبيرًا عن ارتياح داخلي بعد قلق طويل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأنف يدل على الشرف والجاه وحال صاحبه بين الناس، وأن عودة ما نقص إلى أصله يُحمل على تحسن الحال بحسب القرائن. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رجوع الشيء المفقود في الرؤيا يدل في الجملة على زوال الهم وعودة الأمور إلى مجراها. غير أن عودة الأنف فجأة بهذه الصورة من الرموز الأقل شيوعًا، وهي أقل تناولًا في الكتب القديمة. وقد اختلف المفسرون في أمثالها، فبعضهم يميل إلى الخير وبعضهم يطلب قرائن إضافية. ولذلك لا يصح الجزم، وإنما يُستأنس بالأصول العامة.
أثر السياق مهم هنا، فعودة الأنف بسلاسة وهدوء تختلف عن عودته بشكل غريب أو مؤلم. إن عاد سليمًا جميلًا وشعر الرائي بالطمأنينة فقد تميل القراءة إلى استعادة مكانة أو تقدير أو صفاء رأي. وإن عاد بهيئة مختلفة فقد تدل على أن الرائي يستعيد ثقته لكن بصورة جديدة تختلف عما كان. ومن القرائن هل كان الرائي قد رأى اختفاءه قبل ذلك في المنام نفسه، أم ظهرت العودة منفردة. وكذلك حال الرائي في يقظته، فمن مر بأزمة أو خلاف قد يرى العودة تعبيرًا عن أمله في الانفراج.
إذا كانت الرائية عزباء فقد تدل الصورة على استعادة ثقتها بنفسها بعد موقف أحرجها أو شك مر بها. وقد تعبر عن رغبتها في أن تستعيد مكانتها وحضورها الطيب بين من حولها. وإذا كانت متزوجة فقد ترتبط بعودة الهدوء إلى البيت بعد توتر، وبشعورها بأن تقديرها يعود إليها. وقد تكون إشارة إلى صلح أو تفاهم تتمناه. أما الحامل فيحسن أن تأخذ الرؤيا بطمأنينة، وأن ترجع إلى طبيبها في كل ما يخص صحتها وتنفسها.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد تتصل الصورة بعودة مكانته أو هيبته بعد موقف أو خلاف أو تعثر في عمله. وقد تعبر عن شعوره بأن الأمور تعود إلى نصابها وأنه يستعيد زمام قراره. وإن كان تاجرًا فقد تتصل بعودة ثقة المتعاملين أو انتعاش سمعته. وإن كان طالبًا فقد تتصل بعودة التركيز بعد تشتت. وإن كان مريضًا فلا يُفسر المنام تفسيرًا طبيًا، ومتابعة العلاج مع الطبيب هي الأولى.
من التفاصيل الدقيقة أن يُنظر هل عاد الأنف في مكانه المعتاد أم في موضع مختلف، وهل كان لونه طبيعيًا. وإن عاد وسط مشاعر فرح هادئ فقد تقترب القراءة من البشارة الخفيفة. وإن عاد وسط حيرة فقد تعبر الصورة عن رغبة في العودة إلى ما كان دون يقين من إمكانها. وكذلك حضور شخص بعينه في المنام عند العودة قد يشير إلى من يرتبط به تقدير الرائي لنفسه. وكل ذلك قرائن تقريبية لا ينبغي أن تُحمّل أكثر من حجمها.
من الزاوية النفسية العملية قد تعكس الصورة حاجة الرائي إلى أن يطمئن على قيمته بعد فترة شك. ويفيده أن يكتب ما يعتز به من صفاته وأعماله، وأن يتذكر مواقف نجح فيها واستعاد فيها توازنه. كما يفيده أن يمنح نفسه مهلة بعد المواقف الصعبة بدل أن يحاسب ذاته بقسوة. وإذا كانت لديه مشكلة حقيقية في الأنف أو التنفس أو الشم فمراجعة الطبيب أولى من التفسير. فالحلم ليس نصيحة طبية.
ومن المفيد أيضًا ألا يتعلق الرائي بصورة العودة كأنها وعد قاطع بتحسن قريب. فقد تكون تعبيرًا عن أمنية أكثر منها إخبارًا بواقع قادم. والأنفع أن يجعل منها حافزًا للعمل على ما يرغب في استعادته، كالصلح أو إتمام عمل متعثر أو تجديد الثقة. فالرؤيا الهادئة تكون أحيانًا مجرد تذكير لطيف بأن النفس قادرة على استعادة توازنها. ومن ثم يستمر الرائي في يومه بأمل وتأنٍّ.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ درجة اليقين، وقد يصيب وقد يخطئ. فلا ينبغي أن يرتب الرائي عليه قرارات كبيرة ولا أن يخاف منه. والأولى حسن الظن بالله والإكثار من الدعاء بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يصرف عنه كل ضيق. اللهم اجعل هذه الرؤيا خيرًا لصاحبها وأعد له طمأنينته وثقته بربه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وهو أعلم بما يكون.
