إذا رأى المريض الأنف في منامه فإن الرؤيا تُقرأ عادة بوصفها صورة رمزية تتصل بالاستشعار والصبر والاهتمام بالجسد والمكانة. وينبغي التذكير بأن الرؤيا ليست خبرًا حرفيًا عن شفاء أو تدهور، وليست تشخيصًا ولا نصيحة طبية بأي حال. وتختلف الدلالة باختلاف هيئة الأنف ورائحته وما صاحب المشهد من مشاعر. والمرض في ذاته يلقي بظلاله على الأحلام فتأتي مشبعة بما يعيشه الجسم والنفس. وما سيرد هنا عرض لما قيل في هذا الباب على سبيل الاستئناس لا القطع.
الأنف في لغة الرؤى يرتبط عند كثير من المفسرين بالكرامة والهيبة والسمعة ومنزلة الإنسان بين أهله. وهو موضع حاسة الشم، فيُفهم منه التمييز وحسن التقدير والحرص على ما ينفع. وحاسة الشم رمز للاستشعار، أي التقاط الإشارات الخفية قبل أن تتضح، كمن يشم رائحة المطر فيستعد له. ولهذا قد يشير الأنف في المنام إلى إحساس داخلي يقظ تجاه الجسد وحاجاته. غير أن هذا المعنى الرمزي لا يصح أن يحل محل الفحص الطبي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأنف يدل على الشرف وعلو القدر، وأن سلامته تدل على سلامة هذه المعاني. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للأنف صلة بصاحب الأمر في الأسرة وأن حاله يُنسب إلى مكانة ذلك الشخص. واختلفت أقوال المفسرين في التفاصيل، ولم يتناولوا حال المريض بخصوصها تناولًا مفصلًا في هذا الرمز. والرموز الأقل شيوعًا، كتغير لون الأنف أو شكله، أقل تناولًا في الكتب القديمة. فيُؤخذ كل ما يُقال عنها بتحفظ شديد.
للسياق أثر كبير في المعنى، فالأنف الذي يظهر سليمًا في أجواء هادئة غير الأنف الذي يظهر في مشهد متعب أو مضطرب. وتختلف الدلالة إن كان الأنف للرائي أو لطبيب أو لقريب يزوره أو لشخص غريب. ويختلف الأمر بحسب شعوره داخل الحلم، فالراحة تميل إلى الخير، والتعب قد يعكس ما يعانيه في اليقظة. وتُنظر الأحداث السابقة للمشهد واللاحقة له فهي تضبط الاتجاه. وتُجمع التفاصيل كلها قبل ترجيح معنى معين.
وإذا كان الرائي مريضًا فقد يُفهم الأنف السليم في منامه على أنه إشارة إلى الأمل والقدرة على الصبر وبقاء الكرامة رغم المعاناة. وربما حُمل على رغبة في التعافي واهتمام بالنفس وبما يحيط بها من عناية. وإن رآه جميلًا طيب الرائحة فقد يُفسَّر بأنه علامة على ارتياح نفسي وسكينة. وإن رآه متعبًا أو مسدودًا فقد يكون انعكاسًا لإحساس جسدي فعلي، كاحتقان أو جفاف أو ثقل في التنفس، أكثر من كونه رمزًا بعيدًا. وهذه كلها احتمالات ولا يلزم وقوع شيء منها.
ومن الأحوال أن يرى المريض شخصًا يضع على أنفه كمامة أو قطعة قماش، وقد يُحمل ذلك على رغبة في الحماية والستر أو على أثر العناية الصحية التي يتلقاها. وإن رأى أنف طبيب أو ممرض فقد يتصل بثقته فيمن يعتني به. وإن شمّ رائحة طيبة فقد يُفهم على أنه راحة نفسية وحنين إلى العافية. وإن شمّ رائحة منفرة فقد تكون صدى لروائح المكان الذي يقيم فيه أو لدواء يتناوله. ويظل الأمر مرتبطًا بسائر تفاصيل الحلم وحاله.
ومن التفاصيل الدقيقة هيئة الأنف ونظافته وما يخرج منه أو يدخل فيه وإحساس الرائي عند الاستيقاظ. فالأنف الصافي الهادئ قد يوحي بسكينة، والأنف المحتقن قد يوحي بانشغال بما يثقل الصدر. وإن ظهر في المشهد دم أو إفرازات فلا يُجعل ذلك علامة على شيء ولا يُهول، فقد يكون صدى لتجربة جسدية أو أفكار عابرة. ويُنظر إلى المشهد كله لا إلى جزء واحد. والأولى ألا يتحول التفسير إلى مصدر قلق إضافي.
وليست الرؤيا نصيحة طبية بأي حال، وأي مشكلة حقيقية في الأنف أو التنفس أو الشم، كالانسداد المستمر أو النزف المتكرر أو فقدان حاسة الشم أو ضيق النفس، تستدعي مراجعة الطبيب المختص دون تأجيل. والأحلام أثناء المرض غالبًا انعكاس للأدوية والحمى وقلة النوم والقلق، فهي في الأغلب صدى لا نذير. ويفيد في تهدئة النفس الالتزام بتعليمات العلاج، وتهوية الغرفة، وشرب السوائل بحسب إرشاد الطبيب، والكلام مع قريب موثوق عما يقلق. كما يفيد الإكثار من الدعاء وحسن الظن. وإن أثرت الأحلام في الراحة والنوم فالسؤال عنها عند الطبيب أو المختص النفسي خطوة نافعة.
وخلاصة القول أن رؤية الأنف للمريض رمز يدور حول الاستشعار والصبر والكرامة، وقد يكون مجرد صدى لما يمر به جسده، ويتغير معناه بتغير تفاصيله. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، فلا يُبنى عليه قلق ولا ترك لعلاج. وحسن الظن بالله هو الأصل، ويُدعى بأن يجعل الله كل رؤيا خيرًا ويمنّ على الرائي بالعافية والشفاء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا صور رمزية لا تغني عن الأخذ بأسباب العلاج والتوكل. فليطمئن الرائي وليلزم الصبر والأمل.
