رؤية النائم أنه يشم رائحة مألوفة من أيام الطفولة، كرائحة طعام اعتاد عليه في صغره أو مكان لعب فيه أو أغراض مدرسته الأولى، من الرؤى التي ترتبط في الغالب بالحنين والأمان والصلة بالأصل. وهي رؤيا رمزية في أصلها، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار حاسم. ويختلف معناها بحسب نوع الرائحة وشعور صاحبها عند شمها. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة تفتح باب التأمل ولا يغني عن النظر في واقع الرائي. ويحسن تلقيه بهدوء وامتنان لما مضى.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم أقرب الحواس إلى الذاكرة، فرائحة واحدة قد تعيد صاحبها إلى سنوات بعيدة في ثوانٍ، ولهذا ترمز في المنام إلى الاستشعار والتقاط الإشارات واستحضار ما مضى. وإذا كان المشموم رائحة من الطفولة، فالصورة تجمع بين الإدراك وبين رمز الصغر الذي يوحي بالبراءة والبساطة والبدايات. فقد تعني أن النفس تبحث عن طمأنينة قديمة أو تستحضر قيمة أصيلة تريد الرجوع إليها. وهي قراءة رمزية عامة.
لا يُعرف في كتب التعبير القديمة باب مفرد لشم رائحة مألوفة من الطفولة، وغاية ما يُذكر هناك تأويل الصغر والصبا والروائح الطيبة كل على حدة. فقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الإنسان نفسه صغيرًا قد تدل على تغير حاله وعودة إلى حال سابقة، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الروائح الطيبة تدل على ذكر حسن وأخبار سارة. وتختلف الآراء في تعميم ذلك، والرموز الأقل شيوعًا تكون أقل تناولًا في المصادر القديمة، فيُبنى التأويل فيها على القياس والقرائن لا على نص واحد.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فإذا كانت الرائحة مصحوبة بدفء وسعادة فالمعنى أقرب إلى الأمان والصلة بالأهل والأصل. وإذا صاحبتها غصة أو حزن فقد تشير إلى مشاعر قديمة لم تُعالج بعد أو إلى شوق لشيء انقضى. ويفرق بين أن يرى الرائي نفسه طفلًا أم يبقى كبيرًا يشم الرائحة، فالأول يوحي بالرجوع إلى البساطة والثاني بالتأمل في الماضي من موقع الخبرة. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح بين هذه الوجوه.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى حنينها إلى بيت أهلها وأيام الصغر، أو إلى حاجتها إلى طمأنينة في مرحلة تتخذ فيها قرارات جديدة. وقد تدل على صلة قوية بأمها أو أسرتها أو على رغبة في الاعتماد على قيمها الأولى. وإن كانت الرائحة مبهجة فهي أقرب إلى الأنس، وإن أثارت حزنًا فقد تدعو إلى مراجعة هادئة لمشاعر قديمة. وليس في الرؤيا ما يوجب عليها فعلًا معينًا.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا اشتياقها إلى أجواء بيت أهلها أو رغبتها في أن تمنح أولادها شيئًا من الدفء الذي عاشته. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بتقلب المشاعر وحساسية الشم في هذه المرحلة، وتأويله الرمزي يميل إلى الحنين والاطمئنان دون علم بنوع المولود أو موعد الولادة. وعلى الحامل أن تتابع صحتها مع طبيبتها، وأن تتعامل مع الحلم بوصفه صورة نفسية لطيفة.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على شوقه إلى أهله ومرحلة مضت، أو على رغبته في استعادة بساطة كان يعيشها قبل ازدحام المسؤوليات. وللمغترب قد تعبر عن حنين إلى وطنه، وللأب عن رغبة في أن يقترب من أولاده بحماس اللعب القديم. ولا يعني ذلك شيئًا مؤكدًا في المستقبل، فهي دلالة معنوية يمكن أن تكون دعوة إلى صلة الرحم وزيارة الأهل.
ومن التفاصيل الدقيقة نوع الرائحة، فرائحة الخبز أو الحلوى أو الكتب أو التراب أو الصابون القديم لكل منها إيحاء مختلف، يتصل بمعنى الرزق أو العلم أو الحياة البسيطة أو النظافة. ومنها هل يشم الرائي وحده أم بصحبة شخص يعرفه، فقد يدل وجود الصحبة على شخص يربطه بتلك الفترة. ومنها هل تتلاشى الرائحة سريعًا أم تدوم، فدوامها يوحي بتأثير أقوى. وكلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، هذا الحلم شائع عند من يمر بتغير أو ضغط، لأن العقل يلجأ إلى الذاكرة الدافئة طلبًا للأمان. ويمكن للرائي أن يستفيد منه بتخصيص وقت لما يحبه أو لقاء أهله أو تقليب صور قديمة بهدوء. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يشعر بحزن مستمر أو قلق يؤثر في نومه وحياته فليستشر مختصًا، ومن يعاني من ضعف الشم أو صعوبة التنفس فليراجع الطبيب. وإن شم في الواقع رائحة غاز أو دخان فعليه التأكد من سلامة المكان فورًا.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
