رؤية النائم أنه يشم رائحة الأطفال، كرائحة رضيع نظيف أو أطفال يلعبون أو ثياب صغار، من الرؤى التي ترتبط في الغالب بمعاني البراءة والبهجة والرعاية والبدايات الجديدة. وهي رؤيا رمزية في أصلها، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا تُعد خبرًا بحمل أو ولد، ولا يُبنى عليها قرار حاسم. ويختلف معناها بحسب حال الرائي وعلاقته بالأطفال وشعوره عند الشم. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة تفتح باب التأمل ولا يغني عن النظر في واقع صاحب الحلم. ويحسن تلقيه بهدوء وحسن ظن.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم تدل على الاستشعار والتقاط الإشارات قبل أن تتضح صورتها، فمن شم أدرك قربًا قبل أن يرى. وإذا كان المشموم رائحة الأطفال، اجتمع هذا الإدراك مع رمز الطفل الذي يدل على البراءة والأمل والمسؤولية والعطاء. فقد تعني الصورة أن النفس تلتقط إشارة إلى بهجة قريبة أو إلى أمر جديد يحتاج رعاية وصبرًا. وهي قراءة رمزية عامة لا جزم فيها.
تتناول كتب التعبير القديمة الطفل والولد عمومًا في أبوابهما، وقد نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الصغار قد تدل على سرور أو على هم خفيف بحسب حالهم في المنام، وتختلف الأقوال بحسب جنس الطفل وهيئته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الروائح الطيبة تدل على ذكر حسن وأخبار سارة. أما شم رائحة الأطفال مجردة فهو من الصور الأقل تناولًا في المصادر القديمة، فلا يوجد نص صريح معروف، ويُبنى التأويل على القياس بين الرموز والقرائن.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فرائحة الرضيع النظيفة اللطيفة تميل إلى معنى الصفاء والأنس والبشرى المعنوية، وغيرها من الروائح المصاحبة كرائحة الحليب أو الصابون أو الألعاب تضيف لونًا خاصًا. وإن كان الرائي يعيش بين أطفال في الواقع فقد يكون الحلم انعكاسًا لانشغاله بهم وبأمرهم. وإن كانت الرائحة مزعجة فقد تدل على قلق أو إرهاق من مسؤولية كبيرة. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح بين هذه المعاني.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى رغبتها في الاستقرار وبناء أسرة في المستقبل، أو إلى حنان تحمله لمن حولها، أو إلى بداية مشروع تعتني به كما يُعتنى بصغير. وقد تدل على علاقة طيبة بأطفال في محيطها كأقارب وتلاميذ. وليس في الرؤيا ما يدل على موعد أو شخص بعينه، والأولى أن تجعلها دافعًا للصبر وحسن الاختيار دون استعجال.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا اهتمامها بأولادها أو تطلعها إلى مولود أو انشغالها بتربية صغارها. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بتفكيرها في الولادة وتغير حاسة الشم في هذه المرحلة، وتأويله الرمزي يميل إلى الاطمئنان، مع التأكيد أنه لا يدل على نوع الجنين أو موعد الولادة ولا يغني عن متابعة الطبيبة. وإن لم تكن لديها رغبة في الإنجاب فقد تعبر الرؤيا عن حنان عام أو عن مسؤولية أخرى.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على رغبته في أسرة أو على عنايته بأولاده وأقاربه الصغار، أو على مشروع جديد يحتاج رعاية متدرجة. وللمعلم قد تعني ثمرة جهده مع تلاميذه، وللأب اقترابًا أكبر من أولاده. ولا يُفهم منها خبر مؤكد، فهي دلالة معنوية عامة. ويمكن أن تكون تذكيرًا بأهمية الوقت الذي يمنحه لأهل بيته.
ومن التفاصيل الدقيقة هل الأطفال يلعبون أم ينامون أم يبكون، فاللعب يوحي بالبهجة، والنوم بالسكينة، والبكاء بحاجة إلى انتباه واهتمام. ومنها هل الرائحة لطفل واحد أم لمجموعة، فالواحد يميل إلى أمر شخصي والمجموعة إلى جو عام من الحيوية. ومنها هل يعرف الرائي هؤلاء الأطفال أم لا، فالمعروفون يرتبط المعنى بهم في الواقع. وكلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم حنانًا مكبوتًا أو رغبة في رعاية أو شعورًا بالحنين إلى مرحلة الصغر، أو يكون أثرًا لموقف عاشه الرائي مع صغار في يومه. ويمكن أن يستفيد منه بقضاء وقت هادئ مع أهله وأطفاله. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يعاني من حساسية في الأنف أو ضعف في الشم أو ضيق في التنفس فليراجع الطبيب. وإن شم في الواقع رائحة غاز أو دخان فعليه الانتباه والتأكد من سلامة المكان فورًا.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
