رؤية النائم أنه يشم رائحة القهوة، سواء كانت قهوة تُحمّص أو تُغلى أو تُقدَّم في فنجان، من الرؤى التي تتصل في الغالب بمعاني اليقظة والضيافة والمجالس. وهي رؤيا رمزية في أصلها، فلا يُفهم منها أمر حرفي ولا تُجعل أساسًا لتصرف حاسم. ويتغير معناها بتغير حال صاحبها، فمن كان مرهقًا يختلف تأويله عمن كان ينتظر ضيوفًا أو خبرًا. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة تتسع للتأمل، ولا تحل محل النظر في واقع الرائي. ويحسن تلقيها بهدوء ودون استعجال لنتائج بعينها.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة وموضع الإنسان بين الناس، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم تدل على الاستشعار والتقاط الإشارات قبل اكتمال صورتها، فمن شم الرائحة عرف بوجود مصدرها قبل أن يراه. وحين تكون الرائحة رائحة القهوة، تجتمع هذه الدلالة مع رمز المشروب المرتبط بالسهر واليقظة والمجالسة وتبادل الكلام. فالصورة قد تعني أن النفس تلتقط إشارة إلى لقاء أو انتباه أو أمر يستدعي التيقظ. وهذه قراءة رمزية عامة لا تُلزم أحدًا بشيء.
لا يُعرف في كتب التعبير القديمة باب مفرد لشم رائحة القهوة بعينه، ولذلك يُعتمد في تأويلها على القياس بين الرموز. وقد نُسب إلى ابن سيرين في باب الروائح الطيبة أنها تدل على ثناء حسن وذكر طيب بين الناس، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرائحة الزكية قد تدل على خبر سار. وتختلف الآراء في مدى تعميم ذلك، والرموز الأقل شيوعًا تكون أقل تناولًا في المصادر القديمة. فالمعوّل عليه إذن هو القرائن المحيطة بالرؤيا وحال الرائي أكثر من نص واحد.
للسياق أثر واضح هنا، فرائحة القهوة الصباحية قد تدل على بداية يوم نشيط واستعداد للعمل، ورائحتها في المساء قد تدل على مجلس أنس أو انشغال بسهر. وإن كانت الرائحة مصحوبة بجو من الألفة والضيوف فالأقرب أنها تشير إلى الضيافة واجتماع الأحبة، وإن كانت محروقة أو شديدة فقد تدل على إرهاق أو توتر في الأعصاب. ويُنظر كذلك إلى مكان الشم هل هو بيت أم مقهى أم طريق. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح، فالارتياح قرينة غير الضيق.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى جلسة عائلية قريبة أو لقاء مع صديقات أو زيارة ضيوف، وقد تدل على رغبتها في الانتباه إلى أمر يتعلق بدراستها أو عملها. وإن كانت رائحة القهوة طيبة هادئة فهي أقرب إلى الأنس والاطمئنان. وإن كانت قوية ومزعجة فقد تعبر عن قلق وسهر وتفكير زائد. والأحسن لها أن تأخذ الرؤيا إشارة إلى تنظيم وقتها وراحتها لا أكثر. ولا يترتب عليها شيء في مستقبلها بالضرورة.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا استعدادها لاستقبال ضيوف أو انشغالها بتدبير شؤون بيتها وأسرتها، وقد تدل على وقت هادئ تقضيه مع زوجها. وإن كانت حاملًا فقد يكون للرؤيا صلة بحساسية الشم التي تتغير في هذه الفترة، أما تأويلها الرمزي فهو عائد إلى الألفة والاطمئنان فحسب. ولا يصح أن يُبنى عليها توقع طبي أو معرفة بأمر الحمل أو المولود. وعلى الحامل أن تتابع صحتها مع طبيبتها، فالحلم لا يغني عن الاستشارة الطبية.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على مجلس عمل أو لقاء مع أصدقاء أو زيارة قريبة، وربما على حاجته إلى اليقظة في أمر مالي أو مهني. وللموظف قد تشير إلى مرحلة تتطلب نشاطًا وتركيزًا، وللطالب إلى سهر على المذاكرة. أما التاجر فقد يرى فيها إشارة إلى استقبال زبائن أو شركاء. ويجب ألا يُفهم من ذلك أرباح مضمونة أو خسائر محتملة، فهي دلالة معنوية عامة تُقرأ بحسب الواقع.
ومن التفاصيل التي تغير المعنى نوع القهوة، هل هي عربية بالهيل أم تركية أم محمصة طازجة، وهل يشرب الرائي منها أم يكتفي بالشم. ومنها وجود من يقدّمها، فقد يشير إلى كرم شخص أو اهتمامه. ومنها أن تزداد الرائحة قوة أو تختفي فجأة، فالأول يوحي بقرب لقاء والثاني بانقضاء أمر كان ينتظر. وكلما كانت الصورة هادئة مألوفة كانت أقرب إلى الخير، وهذه كلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، قد يكون الحلم انعكاسًا لعادة يومية يألفها الرائي، فالرائحة المرتبطة بعادة تعاود الظهور في المنام كثيرًا. وقد يدل على حاجته إلى استراحة أو جلسة هادئة مع من يحب. ويمكنه أن يستفيد منه بمراجعة نومه وتقليل المنبهات في المساء. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يعاني من اضطراب النوم أو خفقان أو صعوبة في التنفس أو ضعف في الشم فليراجع الطبيب. وإن شم رائحة غير مألوفة في الواقع كغاز أو دخان، فعليه الحذر والتأكد من سلامة المكان.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
