رؤية النائم أنه يشم رائحة الحريق، كرائحة خشب يحترق أو طعام محروق أو دخان بعيد، من الرؤى التي قد تثير القلق عند الاستيقاظ، وهي في عمومها رمز لتوتر أو غضب أو انتهاء مرحلة أكثر منها خبرًا عن حادث. والرؤيا لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها خوف مبالغ فيه. ويختلف معناها بحسب مصدر الرائحة وحال الرائي وما يحيط به. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة هادئة لا تغني عن النظر في الواقع. وسلامة البيت في اليقظة أمر مستقل يستحق الاهتمام دائمًا.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان بين الناس، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم تدل على الاستشعار والتقاط الإشارات قبل أن تتضح، وهي في الواقع من أسرع ما ينبه الإنسان إلى الخطر. وإذا كان المشموم رائحة حريق، فقد توحي الصورة بأن النفس تلتقط إشارة إلى أمر يغلي في الداخل، كغضب مكتوم أو خلاف يوشك أن يشتد أو جهد يُستهلك أكثر مما ينبغي. وهي قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا تهويل.
تُذكر النار في كتب التعبير القديمة بمعان متعددة بحسب سياقها، كالسلطان والغضب والخصومة أو المنفعة والدفء، وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الدخان قد يدل على كلام مكدّر أو هم يعرض ثم ينقضي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى تفصيلات تختلف باختلاف ما يحترق وموضعه. وتتباين الآراء في تعميم ذلك. أما شم رائحة الحريق وحدها دون رؤية النار فهي من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فلا يوجد نص صريح معروف، ويُبنى التأويل فيها على القياس والقرائن.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فرائحة طعام محروق في المطبخ تميل إلى معنى إهمال أمر صغير أو انشغال عن شيء يحتاج إلى متابعة، ورائحة خشب يحترق في الخلاء قد تميل إلى معنى انتهاء مرحلة أو احتدام بعيد عن الرائي. وإن كانت الرائحة خفيفة ثم تلاشت فالأقرب أنها توتر عابر، وإن كانت قوية خانقة فقد تعبر عن إحساس بالاختناق من موقف. ويُنظر كذلك إلى تصرف الرائي في الحلم، فهدوءه وسعيه لمعرفة المصدر يوحي بقدرته على احتواء الموقف. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى ضغط نفسي من دراسة أو عمل أو علاقة، أو إلى غضب مكتوم تجاه موقف لم تعبر عنه، أو إلى نهاية مرحلة تستعد لتركها. وقد تكون دعوة إلى التمهل قبل أي قرار متسرع. وليس معنى ذلك أن سوءًا سيحدث، وإنما هي إشارة إلى ضرورة الاعتناء بالنفس. والأولى أن تتحدث مع شخص تثق به وأن تنظم وقت راحتها.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا انشغالها بأمر من أمور الأسرة أو توترًا مع أحد أفراد البيت يحتاج إلى حوار هادئ، وقد تدل على إرهاق من كثرة المسؤوليات. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بالقلق الطبيعي وحساسية الشم في هذه المرحلة، وليس فيه علم بغيب ولا دلالة على أمر مؤكد. وعلى الحامل أن تتابع صحتها مع طبيبتها، وأن تتعامل مع أي رائحة دخان أو حريق في الواقع بجدية وحذر.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على ضغوط في العمل أو التزامات مالية أو خلاف يحتاج إلى معالجة، أو على غضب يخشى أن يخرج منه في غير موضعه. وللتاجر قد تعني ضرورة مراجعة حساباته، وللموظف تنظيم مسؤولياته. ولا يعني ذلك خسارة محققة، فهي دلالة معنوية عامة. ويكفي أن يقرأها دعوة إلى التأني وكظم الغضب وإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل أن يتفاقم.
ومن التفاصيل الدقيقة هل الرائحة رائحة طعام محترق أم خشب أم ورق أم مجهولة المصدر، فلكل مصدر مجال مختلف كالبيت أو العمل أو العلاقات. ومنها هل يظهر مع الرائحة دخان أو لهب في المنام، فظهورهما يجعل الصورة أقرب إلى الاحتدام الفعلي، وغيابهما يجعلها أقرب إلى الإحساس والتوجس. ومنها هل تنتهي الرائحة أم تشتد، فانتهاؤها يوحي بانفراج. وكلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم توترًا متراكمًا أو خوفًا من حادث سمعه الرائي، أو يكون أثرًا لرائحة حقيقية شُمّت في الجوار أثناء النوم، فقد يدخل الشم الحقيقي في بناء الأحلام. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية ولا أمنية، فإذا شم الإنسان رائحة حريق أو دخان في الواقع فعليه أن يستيقظ فورًا ويتحقق من مصدرها ويخرج من المكان إن لزم ويتصل بالجهات المختصة، ولا يعتمد على أن الأمر مجرد حلم. ومن يعاني من ضيق في التنفس أو سعال مستمر فليراجع الطبيب.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس، وأن يأخذ بأسباب السلامة في بيته. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
