رؤية النائم أنه يشم رائحة الفواكه، كالتفاح أو البرتقال أو العنب أو غيرها، من الرؤى اللطيفة التي ترتبط في الغالب بمعاني الطيب والرزق والنعمة والبهجة. والرؤيا في عمومها رمز يخاطب النفس بالصور، وليست خبرًا حرفيًا عن المستقبل ولا أساسًا لقرار مصيري. ويتغير معنى الرائحة بتغير حال صاحبها ونوع الفاكهة وسياق المشهد. ولهذا فالتفسير الآتي قراءة عامة تفتح باب التأمل، ولا يغني عن النظر في واقع الرائي وظروفه. ويحسن أن يُتلقى بهدوء وحسن ظن.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة والمكانة، ويرمز كذلك إلى الحرص والتمييز بين الأمور وحسن التقدير. وحاسة الشم تمثل الاستشعار والتقاط الإشارات الخفية قبل ظهورها، وهي صورة تعبر عن إدراك النفس لما يقترب منها. فإذا كانت الرائحة رائحة فواكه، دلت الصورة على إشارات من النوع الطيب الحلو، أي ما يقترب من صاحبه من خير أو أنس أو ثمرة جهد سابق. وهذه قراءة رمزية عامة لا تجزم بشيء، وإنما تعين على فهم ما تحمله الصورة من إيحاء.
تذكر كتب التعبير القديمة الفاكهة عمومًا في سياق الرزق والثمرة والنفع، وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الفواكه في وقتها تدل على منفعة قريبة وأن الفاكهة في غير وقتها قد تدل على أمر يتأخر أو يُنال بمشقة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الروائح الطيبة تدل على ذكر حسن وأخبار سارة. وتختلف الآراء في التفاصيل، أما الشم المجرد لرائحة الفاكهة دون أكلها فهو من الصور الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فيُبنى فيه التأويل على القياس. ومن ثم يبقى السياق هو الفيصل أكثر من النص.
للسياق أثر كبير في تأويل هذه الرؤيا، فرائحة الفاكهة الحلوة كالعنب والمانجو تميل إلى الدلالة على الأنس والرزق، والحامضة كالليمون قد تدل على أمر يحتاج إلى صبر أو إلى دقة في التمييز. وإذا كانت الرائحة قوية منعشة فهي أقرب إلى البشرى والنشاط، وإن كانت رائحة فاكهة ناضجة أكثر من اللازم فقد تشير إلى فرصة ينبغي عدم تأجيلها. ويُنظر كذلك إلى المكان، هل هو بستان أم سوق أم بيت. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح بين المعاني.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى فرح قريب أو خبر طيب أو ثمرة اجتهاد في دراستها أو عملها، وقد تدل على صحبة طيبة أو سمعة حسنة. وإن كانت الفاكهة التي شمّتها محببة إليها فالمعنى أقرب إلى الأنس والاطمئنان. وإن كانت الرائحة غريبة عليها فقد تعبر عن تطلع إلى تجربة جديدة. والأولى لها ألا تعلّق قلبها بموعد أو نتيجة معينة. وتبقى الرؤيا إشارة معنوية ليس إلا.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تدل الرؤيا على أجواء مودة في البيت أو على خير يصل إلى الأسرة، وربما على اهتمامها بتغذية أهلها وصحتهم. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بتغير اشتهاء الطعام وحساسية الشم المصاحبة لهذه المرحلة، فلا يُحمَّل أكثر من ذلك. وتأويله الرمزي يميل إلى الطمأنينة، من غير أن يكون فيه علم بنوع المولود أو موعده. وعلى الحامل أن تعتمد على متابعة طبيبتها في كل ما يخص صحتها.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على رزق يأتي بعد سعي أو علاقة طيبة مع الناس أو ذكر حسن بين أصحابه. وللتاجر قد تشير إلى موسم نشط في عمله، وللطالب إلى ثمرة مذاكرته، وللموظف إلى تقدير من محيطه. ولا يعني ذلك ربحًا مضمونًا أو نتيجة محتومة، فالرؤيا لا تفرض شيئًا. وأفضل ما يفعله صاحبها أن يواصل عمله بإتقان وحسن نية.
ومن التفاصيل التي تغير المعنى نوع الفاكهة وحالها، فالتفاح قد يوحي بالصحة والنشاط في القراءة الرمزية، والبرتقال بالانتعاش، والعنب بالتجمع والوفرة، لكن هذا اجتهاد قياسي لا نص صريح فيه. ومنها هل الرائحة صادرة من سلة أم شجرة أم يد شخص، فاليد قد تشير إلى عطاء إنسان بعينه. ومنها اختلاط الروائح، فالتنوع قد يعني تعدد أبواب الخير، والرائحة الواحدة تركيز على أمر واحد. وكلها قرائن لا قواعد ثابتة.
ومن الجانب النفسي، قد يكون الحلم انعكاسًا لانشراح داخلي أو رغبة في الاستمتاع بأشياء بسيطة، وقد يكون أثرًا لرائحة فاكهة حقيقية شُمّت قبل النوم أو لفكرة عن طعام يحبه الرائي. ويمكنه أن يستفيد منه بالاهتمام بنظام غذائه ووقت راحته. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يعاني من حساسية في الأنف أو فقدان في الشم أو ضيق في التنفس فليراجع الطبيب. وإن شم رائحة غير معتادة في الواقع كغاز أو احتراق، فعليه التحقق من سلامة المكان فورًا.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله ويشكره، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، وحسن الظن به باب للطمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
