رؤية النائم أنه يشم رائحة الأعشاب، كالنعناع أو الزعتر أو الميرمية أو أعشاب الحقول، من الرؤى الهادئة التي ترتبط عادةً بالانتعاش وصفاء النفس والبساطة. وهي رؤيا رمزية في أصلها، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار مصيري. ويختلف معناها باختلاف نوع العشبة وحال الرائي وما يحيط به من مشاهد. ولذلك يصلح هذا التفسير قراءةً عامة تفتح باب التأمل، ولا يغني عن النظر في واقع صاحب الحلم. ويحسن تلقيه بنفس مطمئنة بعيدة عن الاستعجال.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان بين الناس، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم تعبّر عن الاستشعار والتقاط الإشارات الخفية قبل اكتمال صورتها، فمن شم أدرك قبل أن يرى. وإذا كانت الرائحة رائحة أعشاب، فالصورة تجمع بين إدراك الإشارات وبين رمز النبات الأخضر الذي يوحي بالنمو والبساطة وتهدئة الهموم على سبيل الرمز. فقد تعني أن النفس تلتقط إشارة إلى هدوء قادم أو إلى حاجة للعودة إلى ما هو طبيعي وغير متكلف. وهي قراءة رمزية عامة ولا جزم فيها.
تذكر كتب التعبير النباتات الخضراء الطيبة الرائحة في أبواب الريحان والبقول والخضر، وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الخضرة عمومًا تدل على منفعة وزيادة، وتتباين الأقوال في الريحان بين من يراه بشارة وذكرًا حسنًا ومن يتحفظ في تأويله بحسب حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الروائح الزكية تدل على ثناء وأخبار سارة، وتختلف الآراء في مدى تعميم ذلك. أما شم الأعشاب بوصفها مجموعة فهو من الصور الأقل تناولًا في المصادر القديمة، فيُبنى التأويل فيه على القياس والقرائن.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فرائحة النعناع المنعشة تختلف في إيحائها عن الزعتر الحاد أو الميرمية الثقيلة، والعشبة الطازجة تختلف عن المجففة. وإذا كان الشم في حقل مفتوح فالأقرب أن يكون المعنى اتساعًا وانفراجًا، وإذا كان في مطبخ فقد يرتبط بشؤون البيت والأسرة. وإذا كانت الرائحة مريحة فهي بشارة هدوء بالمعنى الرمزي، وإذا كانت نفّاذة مزعجة فقد تدل على انشغال بأمر يحتاج إلى ترتيب. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح بين هذه الوجوه.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى مرحلة هدوء بعد اضطراب أو إلى رغبتها في حياة أبسط وأكثر صفاءً، وقد تدل على علاقة صافية أو صحبة طيبة. وإن كانت الأعشاب من النوع الذي تحبه فالمعنى أقرب إلى الأنس، وإن كانت من نوع غريب عنها فقد تدل على تجربة جديدة يحسن تقديرها بشيء من التأني. والأولى لها أن تجعل الرؤيا دافعًا للعناية بنفسها وراحتها. وليس فيها ما يوجب عليها قرارًا معينًا.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا اهتمامها بتدبير بيتها وغذاء أسرتها، أو رغبتها في أجواء أهدأ مع زوجها وأولادها. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بحساسية الشم المتغيرة في هذه الفترة، وتأويله الرمزي يميل إلى الاطمئنان دون علم بغيب. وللحامل أن تستشير طبيبتها قبل استعمال أي عشبة في الواقع، فبعض الأعشاب لا يناسب كل حالة، والحلم لا يصلح دليلًا على ذلك.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على حاجته إلى الهدوء بعد جهد، أو على عمل متصل بالأرض والزراعة والتجارة في الأطعمة، أو على علاقة طيبة بجيرانه وأصحابه. وللطالب قد تعني صفاء الذهن وقت المذاكرة، وللموظف رغبة في تخفيف الضغط. ولا يُستنتج من ذلك ربح أو خسارة محددة، فهي دلالة معنوية عامة. ويكفي أن يقرأ الرؤيا بوصفها تذكيرًا بأهمية التوازن.
ومن التفاصيل التي تغير المعنى حال العشبة، هل هي مقطوفة أم نابتة في الأرض، وهل تُشم من إناء أم من كف شخص آخر. ومنها هل تزداد الرائحة كلما اقترب الرائي منها أم تخفت، فالأول يوحي بإقبال أمر مرغوب والثاني بانتهاء مرحلة. ومنها وجود طعام أو شاي مع الرائحة، وهو يميل بالمعنى نحو الضيافة والأنس. وتبقى هذه التفاصيل قرائن لا قواعد جازمة ولا يصح التشدد فيها.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم رغبة في الراحة والعودة إلى أشياء بسيطة طبيعية بعد انشغال وضغط، أو يكون أثرًا لرائحة شُمّت أثناء النهار أو لكلام عن مشروب ساخن. ويمكن للرائي أن يستفيد منه بتخصيص وقت للهدوء والمشي وتقليل مصادر التوتر. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، والأعشاب لا تغني عن العلاج، فمن يعاني من انسداد الأنف أو حساسية أو ضيق في التنفس فليراجع الطبيب. وإن شم رائحة غير مألوفة في الواقع كغاز أو دخان، فعليه الحذر والتأكد من سلامة المكان.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
