إذا رأى الإنسان في منامه أنفًا بلون غريب كالأزرق أو الأخضر أو الذهبي أو غير ذلك مما لا يألفه فإن الرؤيا تُقرأ عادة بوصفها صورة رمزية تجمع رمز الأنف إلى رمز اللون. وينبغي التذكير بأن الرؤيا ليست خبرًا حرفيًا عن تبدل في الجسد أو في الواقع. وتختلف الدلالة باختلاف اللون وطبيعته وما صاحبه من شعور. ولذلك لا يصح الجزم بمعنى واحد ولا الانشغال بها انشغالًا يقلق النفس. وما سيرد عرض لما قيل في هذا الباب على سبيل الاستئناس لا القطع.
الأنف في لغة الرؤى يرمز عند كثير من المفسرين إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومنزلة الإنسان بين من حوله. وهو موضع حاسة الشم، فيرتبط بالتمييز بين الأمور وحسن التقدير والاستشعار. أما الألوان في الرؤى فتُفهم عادة بحسب ما تثيره في النفس، فاللون المبهج قد يرمز إلى الفرح والانفراج، واللون القاتم قد يرمز إلى الثقل والهم. وإذا اجتمع الأنف واللون الغريب فقد يشير ذلك إلى صورة غير مألوفة تكوّنت عن النفس أو عن المكانة في نظر الرائي. ويبقى المعنى متعدد الوجوه ويتبع تفاصيل الحلم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأنف يدل على الشرف وعلو القدر، وأن ما يعتريه يُنسب إلى حال صاحبه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان تختلف دلالتها بحسب الأشياء التي تلحق بها، وأن للأنف صلة بمن يُعتمد عليه. واختلفت أقوال المفسرين في التفاصيل، ولم يتناولوا الأنف ملونًا بلون غريب بخصوصه تناولًا وافيًا. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة، فيلزم التحفظ الشديد. ومن ثم يُؤخذ كل ما يُقال على سبيل الاستئناس.
للسياق أثر بالغ في المعنى، فاللون اللامع الجميل في مشهد مبهج غير اللون الداكن في مشهد معتم. وتختلف الدلالة إن كان الأنف للرائي أو لقريب أو لشخص مجهول. ويختلف الأمر بحسب شعوره، فالدهشة الهادئة تميل إلى الخير، والنفور قد يعكس توترًا في النفس. وتُنظر الأحداث السابقة للمشهد واللاحقة له، وهل زال اللون أم بقي. وتُجمع التفاصيل كلها قبل ترجيح معنى معين.
وإذا كان الرائي رجلًا فقد يُفهم الأنف الملون بلون جميل على أنه إشارة إلى مكانة لافتة أو سمعة يتحدث بها الناس. وربما حُمل على رغبة في التميز وإظهار الذات. وإن كان اللون قاتمًا فقد يدل على انشغال بأمر يثقل سمعته أو يقلقه في عمله. وإن كان اللون شاحبًا فقد يُحمل على تعب أو إجهاد. وهذه كلها احتمالات لا يلزم أن يقع منها شيء.
وإذا كانت الرائية عزباء أو متزوجة أو حاملًا فقد يُفهم اللون الجميل على أنه بشرى بحسن الذكر وراحة في الأحوال. وإن كان اللون مبالغًا فيه كالمستخدم في الأزياء التنكرية فقد يُحمل على حب التجديد أو الرغبة في لفت الانتباه. وإن كان اللون مزعجًا فقد يعكس قلقًا من نظرة الناس أو مما يُقال عنها. وعند الحامل قد يكون الحلم صدى لتغيرات الجسد وانشغال الفكر. وكل ذلك احتمالات تتبع حال الرائية.
ومن التفاصيل الدقيقة طبيعة اللون ودرجته، أكان لامعًا أم باهتًا أم متدرجًا، وهل غطى الأنف كله أم جزءًا منه. فاللون الأخضر مثلًا قد يرتبط في بعض الأقوال بالنماء والطمأنينة، واللون الأزرق بالسكينة، والذهبي بالمكانة والزينة، لكن ذلك كله يتوقف على السياق ولا يُجزم به. وإن كان اللون صنعته مساحيق أو طلاء فقد يدل على تكلف أو رغبة في الظهور. وإن كان اللون من أصل الأنف فقد يُحمل على صورة داخلية غير مألوفة. ويُنظر إلى المشهد كله لا إلى جزء منه.
ومن الزاوية النفسية العملية قد تظهر الألوان الغريبة في الأحلام حين تكثر المؤثرات البصرية في اليقظة أو حين يمر الإنسان بحال من الإرهاق أو التفكير الزائد. وقد يعكس الحلم الرغبة في التجديد أو القلق من تغير صورة النفس أمام الآخرين. ويفيد في ذلك تنظيم النوم، وتقليل التعرض للشاشات قبله، والكلام مع صديق موثوق عما يشغل البال. وليست الرؤيا نصيحة طبية، وأي تغير حقيقي في لون الأنف أو ألم أو التهاب يستدعي مراجعة الطبيب. والرؤيا هنا مرآة لما في الداخل لا أكثر.
وخلاصة القول أن رؤية أنف بلون غريب رمز يدور حول صورة غير مألوفة للنفس أو المكانة، وتتبع دلالته اللون والشعور وحال الرائي. وكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُبنى عليه قلق ولا قرار. وحسن الظن بالله هو الأصل، ويُدعى بأن يجعل الله كل رؤيا خيرًا ويصرف عن الرائي كل سوء. والغيب لا يعلمه إلا الله، وما الأحلام إلا صور رمزية لا تغني عن التدبر والتوكل. فليطمئن الرائي وليمضِ في شأنه بثقة وهدوء.
