رؤية النائم أن له أنفين في وجهه، أو أن أنفًا ثانيًا ظهر بجانب أنفه، من الرؤى الغريبة التي قد تثير الاستغراب عند الاستيقاظ. وهي في عمومها رمز لازدواج الاهتمام أو تعدد الخيارات أو زيادة الحرص والتمييز، لا خبر حرفي عن شكل الجسد. والرؤيا لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها قرار حاسم. ويختلف معناها بحسب موضع الأنف الثاني وشعور الرائي. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة هادئة تفتح باب التأمل ولا تغني عن النظر في الواقع.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان بين الناس، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وحاسة الشم تدل على التقاط الإشارات الخفية قبل ظهورها. فإذا صار للرائي أنفان دلت الصورة رمزيًا على تضاعف هذه المعاني، كأن يرى نفسه أكثر حرصًا وتدقيقًا في التمييز بين الأمور، أو يشعر أن عليه أن يحمل مكانتين أو مسؤوليتين في وقت واحد. وقد تدل كذلك على التردد بين أمرين متقاربين. وهي قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا تهويل.
لا يُعرف في كتب التعبير القديمة باب مفرد لوجود أنفين، وغاية ما يُذكر تأويل زيادة الأعضاء وتعددها كل على حدة. فقد نُسب إلى ابن سيرين أن زيادة عضو في المنام قد تدل على زيادة في ما يرمز إليه ذلك العضو من أهل أو جاه أو قوة بحسب حال الرائي، وتتباين الأقوال في ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أقوال قريبة تختلف في التفصيل. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا، فيُبنى التأويل على القياس والقرائن لا على نص واحد.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فإذا كان الأنفان متجاورين بهيئة هادئة مريحة فالمعنى أقرب إلى زيادة الحرص والتدقيق، وإذا كان الثاني غريبًا مزعجًا فالمعنى أقرب إلى الشعور بالتشتت وكثرة المهام. وإن كان الأنف الثاني في موضع غير معتاد كالجبين أو الخد فقد يدل على أن مجال التمييز والتقدير تجاوز موضعه المعتاد وانتقل إلى أمور جديدة. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى تردد بين خيارين في دراسة أو عمل أو علاقة، أو إلى رغبتها في الاحتياط والتدقيق قبل القرار. وقد تدل على كثرة النصائح من حولها. وإن كان الشعور مريحًا فهي أقرب إلى زيادة الوعي، وإن كان مربكًا فقد تعبر عن تشتت. والأولى لها أن تكتب الخيارات وتزن إيجابياتها وسلبياتها بهدوء، وأن تستشير من تثق به.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا حرصها على أمور بيتها من جانبين، كالأسرة والعمل أو الأولاد والزوج، أو شعورها بأن عليها حمل مسؤوليتين معًا. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بحساسية الشم المتزايدة في هذه المرحلة وانشغالها بالتحضير لاستقبال المولود، ولا يدل على أمر مؤكد في صحتها أو صحة مولودها. وعلى الحامل أن تتابع حالتها مع طبيبتها دون الاعتماد على الأحلام.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على ازدواج في الاهتمام بين عملين أو مشروعين أو مسؤوليتين، أو على حرص زائد في التدقيق والمراجعة. وللتاجر قد تعني النظر في صفقتين أو سوقين، وللموظف مهام متعددة، وللطالب تخصصين متقاربين. ولا يعني ذلك ربحًا أو خسارة محققة، فهي دلالة معنوية عامة. ويكفي أن يقرأها دعوة إلى ترتيب الأولويات وعدم تشتيت الجهد.
ومن التفاصيل الدقيقة موضع الأنف الثاني ووضوحه، فإن كان إلى جانب الأول فهو أقرب إلى تكرار الحرص، وإن كان في مكان آخر فهو أقرب إلى مجال جديد. ومنها هل يعمل الأنفان معًا أم أحدهما فقط، وهل تختلف الروائح التي يلتقطها كل منهما. فالعمل المشترك يوحي بتكامل، وانفراد أحدهما بتفضيل أمر على آخر. ومنها هل ينتبه الناس إلى ذلك، فهو يعبر عن حساسية الرائي من أنظارهم. وكلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم ضغط تعدد المهام أو خوفًا من الخطأ يدفع إلى التدقيق المفرط، أو يكون أثرًا لصورة أو مشهد خيالي رآه الرائي. ويمكن له أن يستفيد منه بتبسيط جدول أعماله وتحديد ما هو أهم. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يشعر في الواقع بازدواج في الرؤية أو صداع مستمر أو احتقان شديد في الأنف أو صعوبة في التنفس فعليه مراجعة الطبيب المختص. وإن شم رائحة غاز أو دخان فعليه التأكد من سلامة المكان فورًا.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى رؤيا طيبة أن يحمد الله، ولمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
