رؤية مسح الأنف في المنام صورة بسيطة تتكرر عند بعض الناس، فقد يرى الإنسان أنه يمسح أنفه بمنديل أو بيده، أو يرى شخصًا آخر يفعل ذلك أمامه. والرؤيا لغة رمزية تعبر عن معانٍ داخلية بأفعال مألوفة من الحياة اليومية، وليست إخبارًا حرفيًا بأمر محدد. ولذلك فالأولى أن يأخذ الرائي منها المعنى الرمزي الهادئ وألا يحمّلها أكثر مما تحتمل. وما يُذكر في تأويلها احتمالات يتفاوت قربها من الصواب بحسب حال الرائي وظروفه.
يرتبط الأنف في الرموز بالكرامة والهيبة والسمعة والمكانة، وتتصل به حاسة الشم التي ترمز إلى الاستشعار والتقاط الإشارات وحسن التمييز بين الأمور. وفعل المسح في لغة الأحلام يقترن بإزالة الأثر وتصحيح الصورة وإنهاء ما علق من موقف أو كلام. فإذا رأى الإنسان أنه يمسح أنفه فقد يُقرأ ذلك على أنه رغبة في محو أثر موقف محرج، أو حرص على سلامة الصورة أمام الناس، أو تخلص من شيء صغير يزعجه. وقد يكون الحلم صورة عابرة لا تحمل أكثر من عادة يومية.
نُسب إلى ابن سيرين أن مسح الجسد من أثر الأذى في المنام قد يدل عند بعضهم على زوال همّ أو دفع ضرر بقدر ما أُزيل، وأن لكل موضع دلالته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للأنف صلة بالعزة والمنعة، فمسحه قد يُحمل على صون الجاه ودفع ما يشوبه. وتتفاوت آراء المفسرين في تفاصيل ذلك، ومنهم من لم يفرد له بابًا مستقلًا. ومسح الأنف بصفته فعلًا دقيقًا من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، فتبقى القرائن العامة أولى بالاعتماد.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإن مُسح الأنف بهدوء وزال الأثر فهو أقرب إلى معنى زوال الكدر وانتهاء موقف عابر. وإن تكرر المسح بعصبية أو بإلحاح فقد يعبر عن توتر وحساسية من نظرة الناس أو قلق من عيب متوهم. وإن كان الماسح شخصًا آخر فالنظر يكون إلى صلة الرائي به، فقد يشير إلى عون أو اهتمام أو تدخل في شؤونه.
قد ترى الفتاة العزباء أنها تمسح أنفها، فيحمله بعضهم على رغبتها في محو أثر كلمة قيلت أو موقف مر بها، أو على حرصها على صورة حسنة أمام من تحب. وقد يعبر الحلم عن حياء من أمر صغير شغل بالها. وإن كان المسح هادئًا فهو أقرب إلى معنى الاطمئنان، وإن كان متوترًا فهو دعوة إلى التخفف من القلق. ولا يتعلق ذلك بشكلها ولا بنظافتها الفعلية، فالمقصود معنوي في المقام الأول.
وللمتزوجة قد يشير مسح الأنف إلى سعيها إلى تهدئة موقف في بيتها أو إلى إزالة سوء فهم مع أهلها، أو إلى حرصها على ألا يظهر على أسرتها ما يسيء. وقد يحمله بعضهم على رغبتها في أن تبدو الأمور في أحسن حال. وإن كانت حاملًا فالأقرب أن يكون الحلم صدى لإحساس جسدي أو لانشغال الذهن، وما يخص صحتها يُسأل عنه الطبيب. وتبقى الدلالة مفتوحة تتأثر بشعورها.
والرجل الذي يرى نفسه يمسح أنفه قد يُفهم من حلمه أنه يسعى إلى طي صفحة موقف في عمله أو بين أقاربه، أو أنه يحرص على سلامة سمعته. وقد يعبر عن رغبته في أن يتجاوز خطأً صغيرًا صدر منه. وإن كان تاجرًا فربما ارتبط بتسوية خلاف بسيط مع أحد المتعاملين، وإن كان طالبًا فبتخطي عثرة عابرة. وكل ذلك احتمالات لا تُقطع، وعلى الرائي أن يوازن بينها وبين واقعه.
للتفاصيل أثرها في المعنى، فالمسح بمنديل نظيف غير المسح بكم الثوب أو باليد، وما يظهر على المنديل من أثر يضيف دلالة. وإن وقع المسح أمام الناس فقد يتصل بحياء أو حرص على الصورة، وإن وقع في الخلوة فقد يتصل بإصلاح داخلي. وإن ظهر في مرآة فقد يتصل بنظرة الرائي إلى نفسه، وإن مسحه طفل فقد يتصل بالحنان والرعاية. وكلما كان الحلم عابرًا كان الأولى ألا يُطال التفكير فيه.
ومن الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم تذكيرًا بأن بعض الأمور الصغيرة لا تستحق أن تبقى عالقة في الذهن، وأن في الإمكان إنهاءها باعتذار أو توضيح أو تجاوز. فمن كان يعيد في ذهنه موقفًا محرجًا قد ينفعه أن يخفف من وطأته على نفسه، ومن كان يتهرب من تصحيح خطأ فليقدم على ذلك بهدوء. والأحلام ليست نصيحة طبية، فإن كان هناك سيلان أو انسداد أو ألم مستمر في الأنف فالأولى مراجعة الطبيب. وأفضل ما يفعله أن يختم الأمور العالقة بسلام.
في الختام، يظل ما ذُكر اجتهادًا بشريًا ظنيًا لا يبلغ اليقين، فالرؤيا تختلف دلالتها من إنسان لآخر ومن حال إلى حال، وقد يصيب التفسير وقد يخطئ. والأولى بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعو بالخير، فيقول اللهم اجعله خيرًا واكفني ما أهمني. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الأحلام إلا إشارات رمزية قابلة لأكثر من وجه، فلا يصح بناء قرار مصيري عليها. وليكن الاعتماد على السعي وحسن التوكل.
