رؤية النائم أن أنفه بلا فتحات، فلا يجد فيه منفذًا للهواء أو يرى سطحه مغلقًا، من الرؤى التي قد تثير القلق عند الاستيقاظ. وهي في عمومها رمز لشعور بالانسداد أو صعوبة في التقاط الإشارات أو انغلاق باب أمام أمر ما، لا خبر حرفي عن حال الجسد ولا عن مرض. والرؤيا لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُؤخذ على ظاهرها ولا يُبنى عليها خوف. ولذلك فهذا التفسير قراءة عامة هادئة لا تغني عن النظر في الواقع، ويحسن تلقيه بتؤدة.
الأنف في لغة الرؤى يرمز إلى الكرامة والهيبة والسمعة ومكانة الإنسان بين الناس، كما يرمز إلى الحرص وحسن التمييز والتقدير. وفتحاته منفذ الهواء والشم، أي منفذ الاستشعار والتقاط الإشارات. فإذا غابت الفتحات دلت الصورة رمزيًا على انغلاق في هذا المنفذ، كأن يشعر الرائي أنه لا يلتقط ما يجري حوله، أو أن أبواب التعبير والتنفس النفسي مسدودة أمامه، أو أنه محاصر بأمر لا يجد له مخرجًا. وهي قراءة رمزية عامة لا جزم فيها ولا تهويل.
لا يُعرف في كتب التعبير القديمة باب مفرد لأنف بلا فتحات، وغاية ما يُذكر تأويل انسداد الأعضاء والمنافذ والتنفس كل على حدة. فقد نُسب إلى ابن سيرين أن الضيق والاختناق في المنام قد يدل على همّ أو شدة تعرض لصاحبها ثم تنقضي بحسب حاله، وتتباين الأقوال في ذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أقوال قريبة تختلف في التفصيل. والرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا، فيُبنى التأويل على القياس والقرائن لا على نص واحد، ولا يصح التهويل منه.
للسياق أثر كبير في هذه الرؤيا، فإذا كان الرائي يتنفس بسهولة من فمه في الحلم فالمعنى أقرب إلى وجود مخرج بديل مهما بدا الأمر مسدودًا، وإذا شعر بالاختناق فالمعنى أقرب إلى ضغط نفسي حقيقي يحتاج إلى تنفيس. وإن انفتحت الفتحات في آخر الحلم فهو يوحي بانفراج، وإن استمر الانسداد فقد يدل على استمرار شعور بالحصار. وللشعور عند الاستيقاظ أثر في الترجيح.
إذا كانت الرائية عزباء، فقد تشير الرؤيا إلى شعور بأن الأبواب موصدة أمام طموحها أو أن الفرص لا تصلها، أو إلى ضغط من توقعات الآخرين يجعلها تشعر بضيق. وقد تدل على حاجتها إلى التعبير عن مشاعرها. وإن وجدت مخرجًا في الحلم فهو أقرب إلى الأمل، وإن لم تجد فقد تعبر عن إرهاق. والأولى لها أن تتحدث مع من تثق به وأن تبحث عن طرق جديدة بهدوء.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد تعكس الرؤيا ضغط مسؤوليات متراكمة أو شعورًا بأنها لا تجد متنفسًا من التزاماتها، أو صعوبة في التعبير عما يضايقها. وإن كانت حاملًا، فقد يكون للحلم صلة بالاحتقان وصعوبة التنفس الأنفي التي تصيب كثيرًا من الحوامل بسبب التغيرات الهرمونية، ولا يدل على أمر مؤكد في صحتها أو صحة مولودها. وعلى الحامل أن تذكر لطبيبتها أي صعوبة في التنفس لديها.
وإذا كان الرائي رجلًا، فقد تدل الرؤيا على ضيق في العمل أو التزام مالي أو علاقة، أو على شعور بأن الأبواب مسدودة وأن عليه البحث عن طريق آخر. وللتاجر قد تعني ركودًا مؤقتًا يحتاج إلى مرونة، وللموظف قيودًا إدارية، وللطالب صعوبة في مادة ما. ولا يعني ذلك سوءًا محققًا، فهي دلالة معنوية عامة. ويكفي أن يقرأها دعوة إلى البحث عن مخرج بديل والاستعانة بمن يعينه.
ومن التفاصيل الدقيقة هل يحاول الرائي فتح الفتحات بيده أم يتقبل الأمر، وهل يساعده أحد، وهل يشعر بالهلع أم بالهدوء. فالمحاولة توحي بسعي إلى الحل، والمساعدة بوجود سند، والهدوء بقدرة على التحمل. ومنها هل ينفتح الأنف في النهاية أم لا، فالانفتاح يوحي بانفراج قريب. ومنها هل يظهر الأنف في مرآة أم باللمس، وكلاهما يدخل في باب تأمل الذات. وكلها قرائن لا قواعد جازمة.
ومن الجانب النفسي، قد يعكس الحلم ضغطًا وتوترًا أو كتمان مشاعر، وهو كثير عند من يمر بفترة إرهاق أو قلق. وقد يكون أثرًا لانسداد أنفي حقيقي أثناء النوم بسبب زكام أو حساسية أو جفاف الهواء، فيترجم الدماغ الإحساس إلى صورة. ويمكن أن يستفيد منه بالاهتمام بنومه وترطيب الجو وتنظيم أوقات الراحة. وليس في هذا التفسير نصيحة طبية، فمن يعاني من انسداد متكرر في الأنف أو صعوبة في التنفس أو شخير مع انقطاع النفس فعليه مراجعة الطبيب المختص.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يقوم على المقارنة بين الرموز، وقد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُجعل أساسًا للقطع بمستقبل أحد. والأولى لمن رأى ما يزعجه أن يدعو ربه بالخير ويحسن الظن به دون وسواس. والغيب لا يعلمه إلا الله، ومن أحسن الظن بربه وسعى في الخير وجد في ذلك طمأنينة. اللهم اجعل ما يراه الرائي خيرًا ويسّر له أمره.
