شراء البصل في المنام مشهد يومي مألوف، فقد يرى النائم نفسه واقفاً عند بائع الخضار يختار حبات البصل ويزنها ويدفع ثمنها، أو يراه في السوق وسط الزحام يساوم على السعر. وهو من الأحلام التي تتأثر بالمشتريات الحقيقية للبيت وبالتفكير في ميزانية الأسبوع. ومع ذلك يتأمل المهتمون بالتعبير هذا المشهد لما فيه من فعل الشراء الذي يرمز عندهم إلى السعي والتبادل. ونذكّر بأن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه لا يغني عن النظر في واقع الحياة.
الشراء في الأحلام فعل تدبير، فالمرء يبذل ما عنده ليحصل على ما يحتاجه، ولذلك ربطه بعض الشراح بالسعي والمعاملة والأخذ والعطاء. فإذا كان المشترى بصلاً، وهو في رمزهم رزق بسيط يصاحبه كدر، قالوا إن الحلم قد يشير إلى تدبير معيشة متواضعة أو إلى إنفاق على حاجات يومية. ويرى آخرون أنه قد يدل على تحمل مشقة صغيرة بإرادة الإنسان واختياره. وهي احتمالات تُسرد للتأمل، ولا تعني حكماً على أحد.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول أن البصل يدل على مال قليل مع هم، ويفهم بعض الشراح من ذلك أن من اشتراه قد يكون ساعياً إلى هذا المال أو متحملاً هذا الهمّ باختياره. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشراء في المنام يدل على أخذ أمر وتحصيله، ويختلف تأويله بحسب المشترى وثمنه. ولا بد من التنبيه إلى أن النسبة قد تختلف بين الكتب، وأن المفسرين لم يتفقوا على تفصيل واحد، فنحن نصف ولا نقرر.
وتتغير الدلالة بحسب كيفية الشراء، فمن اشترى بصلاً جيداً بسعر معتدل ليس كمن اشترى بصلاً رديئاً بسعر مرتفع. وهل ساوم النائم فحصل على تخفيض أم دفع دون نقاش، وهل شعر بالرضا أم بالغبن. وهل كانت الكمية قليلة أم كثيرة، وهل حملها بيده أم في كيس أم في عربة. وهذه الجوانب كلها يلتقطها المعبرون ليفهموا حال الرائي من الداخل، وتبقى ظنية لا قطع فيها.
وللرجل الذي يرى نفسه يشتري البصل، قد يُقرأ الحلم على أنه يتدبر معاشاً أو يتحمل نفقات أسرته بجهد، أو يستعد لأمر يحتاج إلى مصاريف صغيرة. وللتاجر قد يرمز إلى شراء بضاعة للبيع بربح قليل، وهو تأويل يتناسب مع طبيعة المهنة. وللعامل قد يكون الحلم ذكرى لحساب أو راتب أو مصروف. وكل هذه التأويلات اجتهادات تتفاوت، ولا ينبغي أن تؤثر في قراراته المالية الحقيقية.
وللمرأة التي ترى نفسها تشتري البصل، قد يُفهم أنها تتولى تدبير بيتها وتتحمل مسؤولية طعام أسرتها، وهو أمر مألوف في الواقع قبل أن يكون رمزاً. وللحامل قد يكون الحلم صدى لتجهيزها مستلزمات المنزل قبل ولادة مرتقبة. وللفتاة العزباء قد يرتبط بتعلمها تدبير المنزل أو بتفكيرها في الاستقلال. وكل ذلك ظنّ لا أكثر، يُقدَّم على سبيل التأمل لا على سبيل الجزم.
ومن الدقائق التي تُلاحظ: من كان البائع في الحلم، فبائع معروف يقرأ على صلة بشخص بعينه، وبائع مجهول يقرأ على سعي عام. وهل كانت الدراهم أو النقود المدفوعة قليلة أم كثيرة، وهل أُعيد للنائم باقٍ منها. وهل اشترى البصل وحده أم مع خضار أخرى، فاجتماع الخضار قد يدل على تنوع النفقات. وهل نسي شيئاً من مشترياته، فبعضهم يرى ذلك تنبيهاً إلى التخطيط الجيد. وهذه التفصيلات تعدّل القراءة تعديلاً بسيطاً.
ومن زاوية أخرى، يلتفت بعض الناس إلى أن شراء البصل قد يعكس حاجة نفسية إلى الاطمئنان على مؤونة البيت وضمان الأساسيات. فالإنسان حين يقلق على الغد قد يحلم بأنه يشتري الطعام ويخزّنه، وهذا طبيعي في الأيام التي تكثر فيها هموم المعيشة. وفي هذه الحالة يكون الحلم تعبيراً عن حرص ورغبة في الأمان لا نبوءة. والأولى بصاحبه أن يرتب ميزانيته بهدوء ويستعين بالله ثم بتخطيط واقعي.
وعلى المستوى العملي والنفسي، يشجع الحلم على التدبير الحكيم والاعتدال في النفقة، فمن اشترى ما يحتاجه ولم يسرف ارتاح باله. ويذكّر بأن الاحتياجات الأساسية بسيطة، وأن الكثير من الراحة يأتي من القناعة بها. كما يدعو إلى الصبر على غلاء الأسعار وتقلبات السوق دون سخط. ومن أخذ هذه المعاني من حلمه كان قد أحسن الاستفادة، وإن لم يجزم بتفسير رمزي معين.
وفي الختام نقول إن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، فلا يجوز أن يكون مستنداً لقرار في مال أو تجارة أو زواج أو سفر. وعلى من رأى المنام أن يدعو الله بالخير وأن يحسن الظن به، وأن يأخذ بالأسباب ويتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما يقوله المفسرون محاولات بشرية للفهم قد تصيب وقد تخطئ، والله أعلم بالصواب.
