تقطيع البصل في المنام مشهد يعرفه كل من وقف في مطبخ، فيرى النائم نفسه ممسكاً بسكين وأمامه لوح خشبي وحبات بصل تتحول بين يديه إلى مكعبات أو شرائح رفيعة. وقد يكون الحلم صدى مباشراً لتحضير الطعام في اليوم السابق أو لحديث عن وليمة قادمة، وقد يكون مجرد مشهد عابر لا قصد فيه. ومع ذلك يتوقف عنده بعض المهتمين بالتعبير لأن فيه حركة واضحة هي القطع والتجزئة. ونؤكد أن كل ما يلي رمزي لا حرفي، وأنه يُعرض للتأمل لا للجزم.
الفكرة المركزية في التقطيع هي تحويل الشيء الكبير المتماسك إلى أجزاء صغيرة قابلة للاستعمال، ولذلك ربطه بعض الشراح بتقسيم الأعباء أو تفصيل المسائل الكبيرة إلى خطوات يسيرة. ويرى آخرون أن حدة البصل التي تظهر عند القطع قد ترمز إلى مواجهة صغيرة تجلب شيئاً من الضيق ولكنها تُنجز المطلوب. وقد يذكر بعضهم أن السكين رمز للحسم أو للكلام الفاصل. وكل ذلك احتمالات تُسرد على سبيل الاستئناس بالرموز لا على سبيل اليقين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُتداول عنه أن البصل يدل على مال قليل مع شيء من الهمّ، ويفهم منه بعض الشراح أن من يقطّعه ربما يتولى بنفسه تدبير هذا الرزق بجهد ظاهر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن استعمال الآلة الحادة في المنام قد يدل على قطع أمر أو فصل بين شيئين، وإن كان في الصورة هنا طابع منزلي هادئ. ومع هذا فإن النسب تتفاوت، وقد اختلف المفسرون في تفاصيل كثيرة، ونحن نذكر ما قيل ولا نقرره حقيقة.
وتتغير الدلالة بحسب طريقة التقطيع وهيئته، فالتقطيع المتقن المتناسق يوحي بتنظيم وتدبير، والتقطيع العشوائي المتعجل يوحي بارتباك أو استعجال. وهل كانت القطع كبيرة أم دقيقة جداً، فالدقيق قد يُقرأ على اهتمام بالتفاصيل، والكبير على نظرة إجمالية. ولمشاعر النائم أثر في المعنى، فإن كان هادئاً مطمئناً فقد يُحمل ذلك على قدرة على تدبير أموره، وإن كان متوتراً فقد يعكس انشغال البال. كما أن للبكاء أو عدمه أثراً كبيراً سنذكره في موضعه.
وللرجل الذي يرى نفسه يقطّع البصل، يمكن أن يُقرأ الحلم على أنه بصدد تقسيم عمل أو مال أو وقت على أوجه عدة، وأن عليه أن يمضي بهدوء وحكمة. وللتاجر قد يرمز عند بعضهم إلى تجزئة بضاعة أو تعامل بالتجزئة والبيع الخفيف المتكرر. وإن كان موظفاً فقد يُفهم من ذلك أنه يحتاج إلى تفكيك مهمة ثقيلة إلى بنود صغيرة. ومثل هذه القراءات بعيدة عن الجزم، وتصلح لأن تكون خاطراً للتفكر لا أكثر.
وللمرأة التي ترى تقطيع البصل، قد يرتبط الحلم عند بعضهم بالانشغال بمطبخها وتدبير شؤون أسرتها، أو بمهمة بيتية تحتاج إلى تنظيم. وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لتهيئتها الأشياء وتجهيزها قبل موعد مرتقب، وهو معنى لطيف لا يُلزم بشيء. وللفتاة العزباء قد يشير إلى أنها تتعلم تدبير البيت أو تتهيأ لمرحلة جديدة بشيء من الجد. وكل هذا ظنّ واجتهاد، ولا يُبنى عليه شيء في واقع الحياة.
ومن الدقائق التي يلتفت إليها من يتأمل الرؤيا: نوع السكين وحدّته، فالحادة تُسهّل الأمر والكليلة توحي بمشقة. وكذلك سطح التقطيع، أهو لوح نظيف أم سطح غير مناسب، وهل البصل يتساقط خارج اللوح أم يبقى مجموعاً. وهل كان النائم يقطّع لنفسه أم لضيوف أم لقدر ضخم، فالتقطيع لجماعة قد يوحي بمسؤولية أوسع. وهل أصاب إصبعه جرح صغير، فبعضهم يقرأ ذلك على تنبيه إلى التأني، وهذا اجتهاد محض.
وثمة معنى آخر يلتقطه بعض الناس من هذا المشهد، وهو أن العمل المتقن يُبنى على تفاصيل صغيرة متراكمة، كما تتجمع قطع البصل في طبق واحد. فمن رأى نفسه منهمكاً في التقطيع قد يكون الحلم تعبيراً عن شعوره بأن ما يفعله اليوم من أعمال صغيرة سيجتمع غداً في شيء كامل. وفي ذلك تشجيع لطيف على المثابرة وعدم احتقار الخطوات اليسيرة. وهو معنى نفسي دافئ أقرب إلى النصيحة منه إلى الإخبار.
وعلى الصعيد العملي والنفسي، يدعو الحلم إلى تقسيم الهموم الكبيرة إلى أجزاء صغيرة قابلة للمعالجة، فالمشكلة التي تُقطَّع إلى خطوات تصبح أخف على النفس. وقد يذكّر بأهمية الرفق في القول، فالسكين رمز للكلام الحاد، ومن أراد أن يصلح بين الناس اختار من الكلام ألينه. كما أنه تذكير بقيمة الصبر على بعض الدموع الصغيرة في سبيل إنجاز عمل نافع. وهذه الدروس تُستفاد دون حاجة إلى ادعاء علم الغيب.
وفي الختام نقول إن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي في مال أو عمل أو علاقة أو سفر. ومن رأى المنام فليلجأ إلى الدعاء وليحسن الظن بالله، وليسعَ في أسبابه بطمأنينة وتوكل. فالغيب علمه عند الله وحده، وما يقوله المفسرون محاولات لفهم الرموز بقدر الطاقة البشرية، قد تصيب وقد تخطئ، والله أعلم.
