يحدث أن يرى المرء في منامه صورة تجمع البصل ونزلات البرد، فيكون أمامه سعال أو عطاس أو أنف محتقن مع البصل في الجوار، وكأن الحلم يستعيد حكايات الشتاء وبيوت العائلة حين تتسع الأحاديث عن الأطعمة والمشروبات الدافئة. وهذا الحلم من الأحلام المألوفة في فترات تغيّر الفصول، وقد يكون أصله جسدياً أو من ذاكرة الحديث الدائر في البيت، ولذلك لا ينبغي المبالغة في تحميله دلالات. وكل ما سنذكره قراءات رمزية تحتمل الخطأ.
وفي التعبير يُقرأ البرد عند بعض المفسرين على أنه شدة عابرة وتوقف في الحال وقلة حركة، وربما يُقرأ الزكام على أنه ضيق وهمّ خفيف لا يدوم. أما البصل فقد قالوا في دلالاته إنه رزق متواضع ومعه عناء، وإنه دموع تأتي بعدها راحة، وإنه كلمة قاسية. فاجتماعهما قد يوحي بمرحلة ثقيلة نسبياً لكنها قصيرة، يتحملها الرائي بصبر ثم تنقشع، وقد يشير إلى أن الأيام فيها خشونة بسيطة يتعايش معها الناس عادة ويتجاوزونها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن المرض في المنام قد يدل أحياناً على ضعف في الدين أو في الحال، وقد يدل أحياناً على كفارة للذنوب وتخفيف، وهي أقوال تُروى عنهم بصيغ مختلفة وتحتمل الاختلاف. وذهب بعض المفسرين إلى أن العارض الخفيف في الرؤيا إشارة إلى تعب يسير وليس إلى أمر جلل. ولا بد من التنبيه إلى أن المفسرين اختلفوا في هذه الدلالات كثيراً، فنحن نصف ما قيل ولا نحكم بأنه الحق.
ويتغير التأويل بتغير ملامح الحلم، فإن كان الرائي يشعر بدفء وراحة رغم الزكام فالأقرب أن الحلم يميل إلى المعنى الإيجابي من صبر وعافية. وإن كان يتألم ويضيق فقد يعكس الحلم ضيقاً داخلياً أو إرهاقاً حقيقياً في أيام اليقظة. ولون البصل وحالته قد يلعبان دوراً عند المهتمين، فالبصل الطازج قد يشير إلى أمر قريب العهد، والذابل إلى أمر قديم متعب. وكثرة العطاس أو السعال قد تُقرأ على أنها تخلص من همّ، وهي قراءات للتسلية والتأمل.
وللرجل قد يشير الحلم إلى فترة ضغط وإرهاق في العمل يحتاج بعدها إلى راحة، وللتاجر قد يشير إلى ركود موسمي في السوق يتبعه انتعاش. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه انشغال برعاية أفراد الأسرة في أيام المرض والبرد، فهي تحمل همّ الجميع وتحتاج إلى من يخفف عنها. وللفتاة قد يشير إلى مرحلة من الضعف أو الحساسية العاطفية تعقبها قوة. أما الحامل فلا حاجة لتحميل الحلم أكثر من كونه صدى لحساسيتها الجسدية وحرصها على صحتها.
ومن التفاصيل التي قد تثري التأمل أن يُنظر إلى مكان الحلم وزمانه، فإن وقع في شتاء قارس فالأرجح أنه صدى للمناخ المحيط، وإن وقع في صيف فقد يكون أبعد عن الأثر الجسدي وأقرب إلى الرمز. ويُنظر كذلك إلى من حضر معه، فوجود الأهل يوحي بالدفء والسند، والوحدة قد توحي بحاجة إلى الأنس. وهذه الأمور من باب الاستئناس لا الجزم، ولا يجوز أن يُبنى عليها حكم.
ويجب أن نوضح بصراحة أن هذا الحلم تفسير رمزي لا علاقة له بالنصيحة الطبية، فلا ينبغي لأحد أن يتخذ من منامه وسيلة لعلاج الزكام أو غيره، ومن كانت أعراضه شديدة أو طويلة فليراجع الطبيب. ولا نذكر هنا أي وصفة منزلية. أما المعنى النفسي فهو أن الإنسان يحتاج في فترات الضعف إلى الرفق بنفسه والاستراحة وقبول مساعدة من حوله، وأن الصبر على الأيام الثقيلة وحسن الظن بالله يفتح أبواب الطمأنينة.
ولعل أجمل ما في هذا الحلم أنه يذكّرنا بقيمة العافية التي نمر عليها كل يوم دون انتباه، فنحن لا نشعر بنعمة التنفس الحر إلا حين يحتقن الأنف، ولا نقدّر صفاء الرأس إلا حين يثقل. فإن حملنا الحلم على هذا المعنى كان تذكيراً بالشكر والتواضع، وهو معنى حسن لا يحتاج إلى سند من تأويل غيبي.
وإذا أردنا أن نأخذ من الحلم جانباً عملياً هادئاً فهو أن الإنسان يحسن به أن يهيئ لنفسه في أيام البرد جواً من الدفء والسكينة، وأن يتواصل مع أهله ويطمئن عليهم، فالأنس بالأحبة من أعظم ما يخفف وطأة الأيام الباردة. وقد يتذكر الرائي أن الزكام يزول مهما طال وأن الضيق مثله، فيهون عليه ما يجد. وفي صور المنام ما يشبه التذكير بأن بعد كل موسم ثقيل موسماً أخف، وأن الصبر الجميل لا يضيع. وهذا المعنى المعنوي هو ما يبقى بعد أن ننسى تفاصيل الحلم، وهو كافٍ لمن أراد أن يخرج منه بشيء نافع.
وفي الختام فإن تعبير الرؤى اجتهاد بشري ظني، ولا يحل أن نرتب عليه قراراً في صحة أو عمل أو علاقة. فلنقابل ما نرى بالدعاء وحسن الظن بالله، ولنسأله العافية في الدين والبدن. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وإنما نحن نتأمل رموزاً ونلتمس منها عبرة هادئة.
