من المشاهد الغريبة أن يرى النائم نفسه في صحراء واسعة، وفيها بصل، كأن يجده مدفوناً في الرمل أو يحمله في يده وسط الجدب أو يرى بصلة وحيدة على كثيب. وهذا مشهد يجمع بين شيء مألوف من المطبخ ومكان نائي، وقد يكون من خلط الخيال بين صور متباعدة، وهو أمر تعرفه الأحلام. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيت أنك ستمرّ بصحراء أو بضيق أو غير ذلك. وما نعرضه هنا قراءات قديمة نتأملها بهدوء، لا أخبار عن مستقبل.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط الذي يصحبه كدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وفي سياق الصحراء، التي ترمز في كثير من الكتب إلى الخلاء والاتساع والامتحان بالقلة، قد يقرأ بعضهم البصل فيها رزقاً صغيراً في موضع شحيح، أو قناعة بالقليل حيث لا كثير. وقد يقرأ آخرون وجوده فيها غرابة تدل على أن للرزق أبواباً غير متوقعة. وهذه استحسانات في الربط بين الرمز والمكان، وليست قاعدة.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نصب وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام غليظ أو غمّ يعقبه فرج. غير أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ولا نعلم أنهم فصّلوا القول في اجتماع الصحراء بالبصل، فهذا مما يُفهم بالقياس. ونحن نعرض الأقوال دون تقرير، ونتحفظ على نسبة بعضها إلى القدماء كما يتحفظ أهل العلم عند النظر في كتب التعبير المتداولة.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فصحراء رحبة هادئة تحت سماء صافية غير صحراء عاصفة، وبصل ناضر وسط الرمل غير بصل يابس مغبرّ. وقد يقرأ بعضهم الأول طمأنينة وصبراً جميلاً، والثاني تعباً وشدة. وإن وجد الرائي البصل بنفسه بعد بحث فقد يُنظر إليه على أنه ثمرة سعي، وإن وجده مصادفة فقد يُنظر إليه على أنه فرج غير متوقع. وإن اشتد عليه العطش في الحلم فقد يكون ذلك أثراً من جسد جاف أو غرفة حارة، وهو من أشهر أسباب مثل هذه المشاهد.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن مرحلة قلة في حياته المهنية يصبر عليها، وللمرأة المتزوجة قد تُقرأ حديثاً عن شعور بالوحدة وسط مسؤولياتها، وللعازبة قد تُقرأ حنيناً إلى استقرار وسط حيرة. وللمغترب قد تكون حنيناً إلى أرض وبيت. وللتاجر قد تكون قلقاً من كساد. وهذه القراءات كلها احتمالات واسعة، والإنسان أعلم بنفسه، فإن لم يجد في نفسه ما يوافقها فليتركها.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يزرع البصل في الرمل أو يسقيه، وقد يُقرأ ذلك إصراراً على الخير في موضع قليل الأسباب. وإن رأى أنه يقسم بصلة مع رفيق في الصحراء فقد يُقرأ مشاركة في الشدة. وإن رأى أن البصل يختفي في الرمال فقد يُحمل على شعور بفقد شيء بسيط. وإن رأى قافلة تحمل بصلاً فقد يُنظر إليه على أنه رزق يمرّ بطريق طويل. وهذه كلها احتمالات ضعيفة، ولا ينبغي أن يبني عليها أحد شيئاً.
ومن الناحية العملية والنفسية، فإن الصحراء في المنام تذكّر بقيمة النعمة الصغيرة، فبصلة في موضع لا شيء فيه تصير ثمينة. وكذلك في اليقظة، فبعض ما نعدّه قليلاً قد يكون عظيماً عند الحاجة، وفي الشكر عليه بركة. وتذكّر كذلك بأهمية الرفقة في الطريق الطويل، وبأن الصبر على الجدب يعلّم القناعة ويقوّي النفس. ومن كان يمرّ بمرحلة قلة فليحرص على الأخذ بالأسباب ولا يقنط.
وقد يكون في الرؤيا أثر من شيء قرأه أو شاهده عن الصحراء، فالصور الوثائقية والأفلام ورحلات التخييم تترك أثراً في الأحلام، ولا سيما إذا كانت الأجواء حارة أو كان الجسد عطشان. ولذلك فإن أنفع ما يفعله الرائي أن يشرب الماء ويهدأ ثم ينظر إن كان في حياته ما يوافق الصورة. وإن لم يجد فليدع الأمر كله إلى الله وليبتسم لغرابة الخيال، فهو من أطرف ما في النوم.
ومن الطريف أن الأحلام التي تدور في أماكن شاسعة خالية كالصحراء تتصل عند بعض المعاصرين بحاجة النفس إلى الهدوء والابتعاد عن الضجيج، فالصحراء في المنام قد تكون صورة للصمت الذي يشتاق إليه المرء بعد أيام صاخبة. وإذا اجتمع معها بصلة صغيرة فقد تكون الصورة مجرد تعبير عن الرغبة في بساطة تامة وطعام قليل وحياة هادئة. وهذا فهم لطيف قريب من النفس، يغني صاحبه عن تأويلات بعيدة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في عمل أو سفر أو رزق. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه لا يعدو أن يكون قراءات بشرية قد تخطئ.
