قد تحلم المرأة المطلقة بالبصل في ليلة من الليالي، فتتوقف عند الرؤيا وتتساءل إن كان لها صلة بما مرّت به من أحداث في حياتها. وهذه الرؤيا ليست نادرة، فالبصل من أكثر ما يُرى في المنام لشدة حضوره في بيوت الناس وأسواقهم. ويحسن بالمرأة في موقفها أن تتعامل مع الرؤيا بهدوء وتقدير لا بقلق، فالتفسير هنا رمزي لا حرفي. وما يُذكر في كتب التعبير قراءات محتملة قد تفيد في التأمل، لا أخباراً يقينية عن المستقبل، وسنعرضها هنا بتؤدة.
يرى بعض المفسرين في البصل رمزاً لرزق متواضع يصحبه شيء من التعب، ويرى آخرون فيه رمزاً للدموع التي تخفّف الضيق وتعقبها راحة. وقد اتجه بعضهم إلى معنى الكلمة الحادة التي تجرح ثم تزول، أو إلى الأمور المستورة التي تنكشف طبقة بعد طبقة. وهذه المعاني قد تلامس عند المرأة المطلقة شعورها بما مرّ، ولكنها لا تعني أن شيئاً سيقع. فالرموز واسعة الدلالة، ومن الإنصاف أن تُقرأ بمرونة وتواضع. ولا يصح أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على مال أو عيش فيه قدر من النكد والتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يرمز إلى كلام غليظ أو هم يعقبه انفراج. غير أن المفسرين اختلفوا في ذلك، فمنهم من اقتصر على معنى القوت البسيط، ومنهم من أشار إلى المشقة، ومنهم من رآه خيراً في بعض الأحوال. وما نصنعه هنا هو وصف لقراءات لا تقرير حقائق. ولا يخفى أن نسبة بعض هذه الأقوال إلى أصحابها موضع خلاف عند أهل العلم بالكتب.
ويتغير التأويل المحتمل بتفاصيل المشهد، فالبصل الطازج غير الذابل، والنيء غير المطبوخ، والأبيض غير الأحمر. ومن يميل إلى القراءة النفسية يقول إن البصل المقشَّر قد يرمز عند المطلقة إلى مراجعة ما مضى طبقة طبقة حتى تصل إلى لبّ المسألة بهدوء. وإن بكت وهي تقشّره ثم ارتاحت فقد يُفهم ذلك تنفيساً عما في صدرها. وإن لم تبكِ فقد يُقرأ أنها أقدر على تحمل ما يمرّ بها. ويبقى شعورها أثناء الحلم هو الأهم في كل ذلك.
وللمرأة المطلقة خصوصاً قد يذكر بعض المعبّرين أن رؤية البصل تتعلق بمرحلة إعادة ترتيب الحياة، فيها كدّ يومي وقناعة بالقليل وصبر على أحاديث الناس. وقد يربطها بعضهم برغبة في الاستقلال والاعتماد على النفس، إذ يرمز البصل إلى القوت البسيط الذي تصنعه يداها. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن في ماضيها خللاً أو لوماً، فالطلاق ليس وصمة تُفسَّر بها الأحلام. والأولى أن تنظر المرأة إلى الرؤيا بعين الاطمئنان لا بعين الحساب.
وقد تلتفت بعض الأقوال إلى تفاصيل أخرى، كأن ترى البصل في يد طليقها أو في بيت أهلها أو في سوق تتجول فيه. ومن يبالغ في التفسير يربط ذلك بعودة أمور قديمة أو بكلام يتجدد، لكن هذا من الظن الذي لا دليل عليه. فقد تكون الصورة امتداداً لتفكيرها في الماضي لا أكثر، والعقل في النوم يجمع الصور المتفرقة دون ترتيب. وإن رأت بصلاً أخضر غضاً فقد يُستحسن عند بعضهم لخفّته، وإن رأته ذابلاً فقد يُفهم تعباً عابراً. وكل ذلك احتمالات ضعيفة لا يُعتد بها في قرار.
أما من الناحية العملية فخير ما يُستفاد أن تُعنى المرأة بصحة نفسها وراحتها، وأن تسمح لنفسها بالبكاء حين تحتاج إليه دون خجل، فالدمع تنفيس لا ضعف. وأن تختار كلماتها مع من حولها بصدق ولين، وأن تبتعد عمن يجرحها بحدّة لسانه. وتفيدها القناعة بما تيسّر والرضا بالرزق البسيط مع العمل والسعي. ولا بأس أن تتحدث إلى من تثق به من أهل الخير ليسندها في مرحلتها، فالسند الطيب يخفف كثيراً.
ومن الجوانب التي قد تُذكر في هذا الباب أن البصل طعام يشاركه الناس في بيوتهم، فقد تعكس الرؤيا عند المطلقة حنيناً هادئاً إلى لمّة الأسرة ومائدتها، أو رغبة في أن يكون لها بيت عامر بالأنس. وهذا حنين إنساني مفهوم لا عيب فيه ولا يعني ضعفاً، وقد يكون العقل في النوم يستعيد صور الدفء القديمة ليخفف عن صاحبته. وفي المقابل قد تكون الرؤيا مجرد أثر من نهار قضته بين السوق والمطبخ دون أي معنى خفي. وفي الحالين لا حاجة إلى أن تضيّق المرأة على نفسها بالتأويل أو تجلد ذاتها بالسؤال.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، وليس وحياً ولا علماً مقطوعاً به. فلا تجعل المرأة منه سنداً لقرار حقيقي في زواج أو عمل أو سكن أو علاقة، وليكن اعتمادها على الاستخارة والمشورة والأسباب المشروعة. وعليها أن تكثر من الدعاء وتحسن الظن بربها، فهو أرحم بها من نفسها. والغيب لله وحده لا يعلمه غيره، وما نذكره لا يعدو أن يكون قراءات إنسانية قد تخطئ.
