إذا رأى الفلاح في منامه بصلاً، وهو الذي يعرفه نبتةً في الحقل قبل أن يعرفه طعاماً على المائدة، فقد يتساءل هل في الرؤيا ما يخص أرضه وموسمه. والحقيقة أن من يعمل بيديه في الأرض يرى في نومه ما يشبه نهاره، فيأتيه الزرع والسقي والحصاد في صور شتى. والبصل من المحاصيل المعروفة التي تُزرع وتُقلع وتُخزَّن، فحضوره في منام الفلاح أمر مألوف لا غرابة فيه. ومع ذلك فإن التفسير رمزي لا حرفي، وما نعرضه هنا قراءات قديمة نتأملها بهدوء، لا أخبار عن المحصول ولا عن المطر ولا عن السعر.
يذكر بعض المفسرين في البصل معاني الرزق المتواضع الذي يصحبه شيء من التعب، والدموع التي تعقبها راحة، والكلمة الحادة التي تمرّ، والطبقات التي تكشف المستور شيئاً فشيئاً. وللفلاح قد يقرب المعنى من فكرة الجهد الطويل في الأرض الذي لا تظهر ثمرته إلا بعد صبر، فالبصلة تنمو تحت التراب وتبدو مخفية حتى يحين وقت قلعها. ومن هنا قد يرى بعضهم في الرؤيا إشارة إلى أن بعض ما يعمله المرء في الخفاء يظهر أثره بعد حين. غير أن هذه قراءة مستحسنة وليست حكماً، والرموز تحتمل أكثر من وجه.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نصب وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معنى قريب، فرأى في أكله مالاً يأتي بمشقة أو كلاماً يؤذي ثم يزول. على أن المفسرين اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى في كثرة البصل سعة في المعاش، ومنهم من رأى فيها كثرة مشاغل. ونحن نحكي الأقوال ولا نقرر شيئاً منها، ونتحفظ في نسبتها إلى أصحابها كما يتحفظ أهل العلم عند النظر في كتب التعبير المتداولة وما اختلط بها عبر القرون.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير تفاصيل المشهد، فبصل أخضر غضّ في الحقل غير بصل جاف مقلوع مكدّس في الشمس، وبصل في تربة ندية غير بصل في أرض يابسة. وقد يرى بعضهم في الأخضر الطري خفة في الأمر ولين في العمل، وفي الجاف المقلوع اكتمال جهد وانتهاء موسم. والحقل المثمر قد يقرؤه بعضهم قريباً من الاستبشار، والمتصحر قريباً من الحاجة إلى الصبر. أما المطبوخ في بيت الفلاح فقد يُحمل على معنى الاستقرار والقوت. ويظل شعوره في الحلم هو الدليل الأول، فإن اطمأن فهذا خفيف عليه، وإن ضاق فقد يكون مجرد أثر من تعب نهاره.
وإذا كان الفلاح متزوجاً فقد يقرأ بعضهم الرؤيا متصلة بأعباء الأسرة وما يجنيه من أرضه لينفق عليها، وإذا كان أعزب فقد ترتبط بحلمه في الاستقرار وجمع ما يعينه على بناء بيت. وقد يقول بعضهم إن في الصورة تذكيراً بأن الأسرة كالأرض تحتاج إلى سقي بالكلمة الطيبة والرعاية. ولا يصح أن ينقلب هذا إلى جزم، فالنفس قد ترى من الصور ما شغلها، وليس كل حلم رسالة، وليس كل رمز موجهاً إلى صاحبه بالذات.
ومن الدقائق التي قد يلتفت إليها بعضهم أن يرى الفلاح نفسه يزرع البصل أو يقلعه أو يبيعه في سوق القرية. فالزرع قد يُفهم عندهم بداية عمل جديد صغير، والقلع جمعاً لثمرة تعب، والبيع تصريفاً لما في اليد. وإن رأى بصلاً ينبت في غير موضعه فقد يُنظر إليه أمراً غير متوقع. وإن رأى آفة تصيبه فقد يُقرأ قلقاً مألوفاً عند أهل الزرع من تقلبات الجو. وهذه الدقائق كلها ظنية، وأولى بالفلاح أن ينظر في حال أرضه وطقسه بعينه لا بمنامه.
وللفلاح خاصة نقول إن خبرته بالأرض ومواسمها أوثق عنده من أي رمز يراه، فهو أعرف بتربته وماء ريّه وما يصلح لها. ولا ينبغي أن يغيّر خطته الزراعية بسبب منام، فلا يقدّم موسماً ولا يؤخره ولا يغيّر محصولاً اعتماداً على رؤيا. وليأخذ بنصح أهل الخبرة وبما تقوله الأرصاد والتجربة، فهذا هو الميزان الذي ينفعه. والرؤيا لا تزيد عن أن تكون صورة جميلة يتأملها ثم يمضي في عمله.
وأما من الناحية النفسية فخير ما يستخلصه الفلاح من هذه الرؤيا أن يتذكر قيمة الصبر على التعب اليسير والرضا بالرزق الذي يأتي من كدّ اليد. وأن يحافظ على طيب كلامه مع أهل بيته وجيرانه وعماله، فالكلمة الحادة كالبصل تدمع العين. وأن يجعل لنفسه ساعة راحة هادئة بعد يوم طويل، فالجسد أمانة. وفي الأرض والزرع ما يعلّم القناعة، فلا يضيّق على نفسه بالطمع ولا يقعد عن السعي.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس وسيلة لمعرفة المحاصيل أو الأسعار أو الأقدار. فلا يُبنى عليه قرار في زرع ولا بيع ولا رهن ولا شراء أرض، وليكن الاعتماد على الأسباب المشروعة والتوكل على الله. وليكثر الفلاح من الدعاء بالبركة في رزقه وليحسن الظن بربه الكريم. وعلم الغيب لله وحده لا يعلمه أحد غيره، وما كتبناه لا يعدو قراءات بشرية قد تخطئ.
