قد يرى النائم نفسه في وليمة كبيرة، عرس أو عقيقة أو مناسبة جامعة، ويلحظ أن البصل حاضر فيها، في قدور الطبخ أو على الموائد أو بين أيدي من يجهزون الطعام. وهذا من المشاهد التي يمكن أن يراها كل من حضر وليمة قريبة العهد أو انشغل بتحضير مناسبة. ولا غرابة أن يكون البصل حاضراً، فهو من أساسيات المطابخ الكبيرة. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، فلا تعني الرؤيا حدوث فرح أو غيره. وما نعرضه قراءات قديمة نعرضها بحذر.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط المصحوب بشيء من التعب، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور تدريجياً. وفي سياق الوليمة قد يقرأ بعضهم فيه معنى الجهد المبذول في إدخال السرور على الناس، فالوليمة يسبقها تعب كثير ويعقبها أنس. وقد يقرأ آخرون أن الجمع الكبير مظنة أحاديث متباينة، فيكون البصل إشارة إلى كلمات صريحة بين الناس. وهذه استحسانات لا قاعدة لها.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتداوله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نكد وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم عابر. غير أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ومنهم من رأى أن الاجتماع على الطعام الكثير مظنة خير وبركة بغض النظر عن أصنافه. ونحن نحكي ولا نقرر، ونتحفظ على نسبة بعض الأقوال إلى أصحابها لما اعتراها من التباس في كتب التعبير المتداولة.
ويتغير المعنى باختلاف التفاصيل، فبصل مطبوخ في قدور كبيرة تفوح منها الرائحة الطيبة غير بصل مكوّم مهمل في زاوية. وقد يقرأ بعضهم الأول بركة وسعة في الجمع، والثاني قلقاً من نقص أو تقصير. وإن كان المشهد صاخباً بالفرح فقد يخفّ على النفس، وإن كان فيه ضيق وزحام فقد يُحمل على تعب التحضير. وللون البصل وكميته نظر عند بعضهم، لكن الأهم هو شعور الرائي، فمن شعر بالسرور فذلك أيسر ممن شعر بالضيق.
وللرجل قد يُنسب البصل في الوليمة إلى ما يتكبده من تكاليف المناسبات والتزاماتها، وللمرأة المتزوجة إلى تعب إعداد الطعام وتنظيم الضيوف. وللفتاة العزباء قد يُقرأ حديث نفس عن الأفراح التي تتمناها أو تحضرها، وللحامل قد يُنسب إلى اشتهاءاتها وتقلبات مزاجها وسط الزحام. وللتاجر قد يُنظر إليه من زاوية الكلفة والمصروف. وهذه كلها قراءات ظنية لا يحكم بها.
ومن الدقائق أن يرى الرائي نفسه يقشّر بصلاً لوليمة كبيرة، فقد يُقرأ كدّاً في سبيل إسعاد غيره، وإن رأى نفسه يبكي أثناء الفرح فقد يُنظر إليه على أنه مزيج من المشاعر. وإن رأى البصل ينفد قبل أن يشبع الناس فقد يُحمل على قلق من التقصير، وإن رأى فائضاً منه فقد يُقرأ سعة. وإن رأى ضيفاً يعتب على الطعام فهذا من هواجس المضيفين. وكل ذلك احتمال يُترك ولا يُعمل به.
وعملياً ونفسياً، فالوليمة ميدان للتعاون، وقد تذكّر هذه الرؤيا صاحبها بأن يتشارك المهام مع أهله وجيرانه ولا يحمل العبء وحده. وأن يُظهر لمن عمل في الطبخ والخدمة امتنانه، فالشكر يرفع التعب. وأن يقتصد في المصروف ولا يتكلف ما لا يطيق، فالبساطة في الوليمة أبرك من التفاخر. وأن يختار من الكلام ما يُدخل السرور على الحاضرين، فالكلمة اللطيفة زينة المجلس.
وقد يكون في الرؤيا حنين إلى وليمة قديمة جمعت أحباباً غابوا، فتتجدد الذكرى ويرقّ القلب. وفي هذه الحال فلا بأس أن يدعو الرائي لمن غاب وأن يصل من حضر، فهذا خير ما يُقال في الأمر. وقد تكون الرؤيا من أثر مناسبة قريبة أو ترقب لمناسبة قادمة، وفي الحالين لا حاجة إلى تحميلها معنى ثقيلاً. والمهم أن يحسن النية ويحرص على رضا ربه في كل مناسبة.
ويلاحظ أن أحلام المناسبات الكبرى كثيراً ما تأتي في أيام الاستعداد لها أو بعد انتهائها بقليل، فمن شارك في عرس قريب أو ينتظر مناسبة قد يرى مشاهد مكبّرة منها، فتختلط الوجوه والأطعمة والأصوات في صور سريعة. وفي مثل هذه الأحلام يكون للبصل حضور عابر كحضور الملح والخبز، ولا يُفرد بتفسير خاص عند أكثر المتأملين. فلا ينبغي أن يتوقف الرائي عنده طويلاً، وليقتصر على ما فيه من ذكرى فرح ومشاركة.
ومن كان يعمل في إعداد الولائم أو الطبخ للناس فقد يرى البصل في منامه كثيراً لأنه يقشّره ويقطّعه نهاراً، فتنتقل مهنته إلى نومه. وهذه من أشهر أسباب الأحلام المتكررة، أن يعيد الذهن ما اعتاد عليه من أفعال. وفي هذه الحال فلا حاجة إلى أي تأويل، فالرؤيا هنا انعكاس مهنة لا رسالة. وعلى هذا الأساس تُقاس كثير من أحلام أهل الحِرَف، وهو أقرب إلى الصواب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في إقامة مناسبة أو تأجيلها أو الإنفاق عليها. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات بشرية قد تخطئ.
