قد يرى النائم أن أحداً يجبره على أكل البصل، فيدفعه إلى فمه أو يلحّ عليه أو يقف فوق رأسه حتى يأكل، وهو حلم مزعج يترك في النفس ضيقاً وإحساساً بالقهر حين يستيقظ الإنسان. وهو يختلف عن حلم الرفض الهادئ لأن الرائي هنا لا يملك قراره، بل يقع تحت إلحاح أو قوة خارجية. وسنذكر ما قيل في تأويله بحذر شديد، فالأحلام رموز تحتمل أوجهاً شتى، ولا يجوز أن نأخذها على أنها وقائع قادمة أو أحكام على حياة الرائي.
والإجبار في عالم الرموز يُقرأ عند بعض المفسرين على أنه ضغط من شخص أو ظرف يفرض على المرء ما لا يرغب، وقد يرتبط بشعور العجز عن الاعتراض أو بالتزام ثقيل. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً يعقبه فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فاجتماع الإجبار والبصل قد يوحي بأن الرائي يتحمل أمراً فيه حدة أو مشقة رغماً عنه، كعمل لا يحبه أو كلام يتلقاه وهو كاره، وقد يوحي بأن ذلك التحمل سينتهي بفرج. وهذه قراءة عامة لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن من أُكره على طعام في المنام قد يدل ذلك على أنه سيُحمَّل أمراً أو يُلزَم بما لا يريد، وربما يكون فيه نفع بعد حين. وذهب بعض المفسرين إلى أن مرارة المأكول وحدته تدل على كلام قاس أو أمر شاق، وأن زواله بعد الأكل يدل على أن المشقة تنقضي. وقد اختلف أهل التعبير في هذا اختلافاً كبيراً، ولا نقطع بصحة المنقول عنهم، فنحن نعرض قراءات ولا نذكر وقائع ثابتة.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل الحلم، فمن أجبره شخص مألوف كأب أو أم أو رئيس عمل قد يُقرأ حلمه على أن الضغط من جهة قريبة منه في حياته، ومن أجبره مجهول قد يُقرأ على أن الضغط من ظروف عامة. وإن أكل الرائي وهو كاره ثم شعر بعد ذلك براحة فالمعنى يميل إلى الفرج بعد الصبر، وإن استيقظ وهو مختنق فقد يكون الحلم صدى لتوتر حقيقي. وكمية البصل وحدته ودموع الرائي تدخل في الحساب عند المتأملين، فالدموع الغزيرة قد تدل على تنفيس عن كبت، وليست شؤماً.
وللرجل قد يرتبط الحلم بضغط في العمل أو التزام مالي أو عائلي يشعر أنه مفروض عليه، ولعل فيه دعوة إلى أن يعيد ترتيب أولوياته ويطلب العون حين يلزم. وللتاجر قد يشير إلى شروط صفقة أو ضغوط سوق لا يملك الفكاك منها، فيحسن به التروي والمراجعة والاستشارة. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه أعباء بيت أو توقعات أسرة أو مجتمع تثقل عليها، وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى ضغط في الدراسة أو العمل أو قرار يُراد فرضه عليها. أما الحامل فقد تتأثر أحلامها بالتوتر الطبيعي وبكثرة النصائح من حولها، فتأخذ الحلم بهدوء.
ومن الأمور التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى طريقة الإجبار، فالإجبار باللين والإلحاح غير الإجبار بالقسوة، وكلٌّ منهما يشير إلى طبيعة الضغط. ويُنظر إلى ما انتهى إليه الحلم، فإن تحرر الرائي في النهاية فالمعنى يميل إلى زوال الضغط، وإن استمر الإجبار فقد يعكس قلقاً لم يُحل. ويُنظر كذلك إلى مكان المشهد، فالبيت قد يرتبط بالأسرة، والعمل بالمهنة. وهذه كلها تأملات تُستأنس بها، ولا يُرتب عليها حكم أو قرار.
وعلى الجانب النفسي والعملي قد يكون هذا الحلم تنبيهاً إلى ضرورة أن يحدد الإنسان ما يحتمله وما لا يحتمله، وأن يتعلم الاعتراض بأدب حين يُظلم أو يُثقل عليه. فكثيراً ما تظهر أحلام الإكراه عند من يشعرون بأنهم لا يملكون قرارهم في اليقظة. ومن الحكمة أن يُحاور الإنسان من يضغط عليه بهدوء، وأن يستعين بمن يثق بهم، وأن يبحث عن مخرج مشروع. وفي الصبر على ما لا مفر منه مع طلب الفرج من الله خير كثير.
ومن المفيد أن نفرق بين الصبر المحمود على ما لا مفر منه والاستسلام لما يمكن تغييره، فالأول من حسن الظن بالله والأخذ بالأسباب، والثاني من الضعف. وربما جاء الحلم لينبه على أن بعض ما نتحمله ليس واجباً علينا. فإن وجد الرائي أنه يتحمل ما لا يلزمه فليتأمل ويراجع بحكمة، وإن وجد أنه يتحمل ما يلزمه فليستعن بالله وليصبر.
ولا ننسى أن بعض هذه الأحلام قد يكون صدى لتجارب الطفولة حين كان الكبار يلحّون على الصغار في الطعام، فتبقى هذه الذكرى في العقل الباطن وتعود في المنام. وفي هذه الحال لا يكون وراء الحلم سوى ذاكرة قديمة، ولا داعي للبحث عن غيب. ويكفي أن يبتسم الإنسان ويحمد الله على أنه كبر وصار يملك قراره.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في علاقة أو عمل أو مال. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله العون والتيسير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس سوى تأملات إنسانية في رموز يتداولها الناس.
