قد يرى النائم أن البصل يتصل بشعره، فيضعه عليه أو يفركه به أو يشمّ رائحته في خصلاته، وهو مشهد غريب قليلاً لكنه يتصل بحكايات متداولة بين الناس عن العناية بالشعر. ومثل هذا الحلم كثيراً ما يكون صدى لحديث سمعه الرائي أو لقلق يخصه من مظهره أو من تساقط شعره أو من رأي الناس فيه. وعلينا أن نتذكر أن الأحلام رموز قابلة للتأويل وأن التفسير ظني، وأن ما يُرى في المنام ليس حقيقة حرفية تقع بالضرورة، فلا يجوز أن نتخذ منه حكماً على جمالنا أو صحتنا.
والشعر في تعبير الرؤى يُقرأ عند بعض المفسرين على أنه رمز للمال والجاه والهيئة وما يزين به المرء نفسه أمام الناس، فكثرته قد تدل على سعة وقلته على قلة، وهكذا قالوا بحسب أحوال الرائي. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً يأتي بعد تعب، وكلاماً حاداً، ودموعاً يعقبها فرج، وطبقات مستورة تنكشف. فاجتماعهما قد يُقرأ على أنه اهتمام بمظهر الإنسان وسمعته، مع شيء من الحدة أو الكلفة في ذلك الاهتمام، وهي قراءة عامة لا تعني تأويلاً قاطعاً.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الشعر قد يدل على المال والعمر وما يتزين به الإنسان، وأن حلقه أو تغيره قد يدل على تبدل في الحال وتخفف من هموم. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يوضع على الشعر في المنام من طيب أو دهن قد يدل على حسن ذكر وجاه، وأن ما يكون كريه الرائحة قد يدل على كلام لا يرضي. وقد اختلفوا في كثير من ذلك اختلافاً بيّناً، فنحن نعرض أقوالاً وليس لدينا قطع بصحتها.
وتتغير الدلالة بتغير تفاصيل الحلم، فإن كان الشعر طويلاً كثيفاً فقد يُقرأ الحلم على أنه إحساس بالسعة والثقة، وإن كان قصيراً أو متساقطاً فقد يعكس قلقاً من فقد أو نقص. وإن كان الرائي مسروراً أثناء الحلم فالأقرب أنه يتطلع إلى تحسين حاله، وإن كان منزعجاً من الرائحة فقد يشعر بحرج من كلام الناس. وإن بكى بسبب حدة البصل فقد يُقال إن ذلك تنفيس عن همّ مكبوت. وكل ذلك يتوقف على سياق الحلم ومشاعر صاحبه.
وللمرأة قد يكون للحلم وقع خاص، فالشعر في الثقافة العامة مرتبط بالزينة والاعتناء، فقد تقرأ المتزوجة فيه حرصاً على أن تظهر أمام أهلها بصورة حسنة مع شيء من التعب في ذلك. وللفتاة غير المتزوجة قد يُقال إنه قلق من نظرة الناس أو من الحكم على مظهرها، وهو في الغالب انعكاس لأفكار اليقظة. وللرجل قد يرتبط بسمعته وحديث الناس عنه، وللتاجر بحسن الصورة أمام زبائنه. أما الحامل فقد تتأثر أحلامها بتغيرات شعرها الطبيعية في الحمل، فلا تحمّل الحلم أكثر من ذلك.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى المكان والشخص الذي يعتني بالشعر، فإن كانت أم أو قريبة فالمعنى قد يتصل بحنان الأسرة، وإن كان غريباً فقد يتصل بنظرة الناس. ويُنظر كذلك إلى حالة الشعر بعد الحلم، فإن بدا أحسن فهو أقرب إلى الاطمئنان، وإن بدا أسوأ فهو أقرب إلى القلق. وهي كلها اجتهادات للتأمل لا يُبنى عليها يقين، والخطأ فيها ممكن في كل خطوة.
وينبغي أن يكون واضحاً أن هذا تأويل رمزي فقط، وليس نصيحة تجميلية ولا علاجية، ولا ندعو إلى وضع شيء على الشعر أو الجلد بناء على منام. ومن كانت تقلقه مشكلة حقيقية في شعره أو فروة رأسه فعليه أن يراجع الطبيب المختص بالجلدية ويأخذ بالأسباب المعروفة، ولا يجعل الأحلام مرجعاً لذلك. أما الجانب النفسي فيمكن القول إن الحلم دعوة إلى أن يهتم الإنسان بنفسه باعتدال ويرضى بخلقته، وأن الجمال الحقيقي في حسن الخلق والكلمة الطيبة وقناعة القلب.
وقد يكون من اللطيف أن نذكر أن الإنسان يحمل في أحلامه كثيراً من هواجس الصورة التي يظهر بها، وأن هذه الهواجس طبيعية عند الجميع لكنها تتضخم أحياناً في لحظات الضغط. فإن رأى الرائي هذا الحلم فربما كانت النصيحة الأنفع أن يخفف عن نفسه، ويذكّرها بأن قيمته أكبر من مظهره، وأن الناس في الغالب منشغلون بأنفسهم أكثر مما يتخيل. وهذه النظرة الهادئة تريح القلب سواء صحّ تأويل الحلم أو لم يصح.
وفي النهاية فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي في العناية أو العلاج أو غيرهما. فليقابل المرء ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله العافية والستر وحسن الخلق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما ذكرناه قراءات إنسانية يتداولها الناس لا يقين فيها.
