قد يرى النائم أن البصل يجتمع في حلمه بضيق شديد ثم بانفراج، فيقطّعه ويبكي ويضيق صدره ثم تنقشع الغمة ويرتاح، أو يمر بموقف عصيب ثم ينتهي بسلام وبصل على المائدة. وهذا الحلم من أقرب الأحلام إلى المعنى الذي يُنسب إلى البصل في كتب التعبير، فهو يجمع الدموع والضيق ثم الراحة. وهو كثيراً ما يأتي لمن يمر بمرحلة صعبة ويتطلع إلى الخروج منها. وسنذكر ما قيل في تأويله بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني.
وفي الرموز يُقرأ الضيق الذي يعقبه انفراج على أنه من الصور المبشرة عند بعض المفسرين، لأن النهاية الحسنة تغلب على البداية الصعبة. وقد ذكروا في البصل رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً ودموعاً يعقبهما فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فاجتماع البصل والضيق ثم الفرج يعبّر عن الدلالة الأشهر المتداولة، أي أن في الأمر شدة قصيرة تعقبها راحة، ومشقة صغيرة تفضي إلى نفع. وهذه قراءة عامة لا يُجزم بها، ولا يجوز أن تُجعل وعداً.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الضيق في المنام إذا انتهى بسرور قد يدل على تفريج هم وزوال شدة، وأن البكاء الهادئ قد يكون بشارة بفرح. وذهب بعض المفسرين إلى أن تبدل الحال من شدة إلى رخاء داخل الرؤيا يدل على تبدل في اليقظة، لكنهم اختلفوا كثيراً في تفاصيل ذلك. ولا بد من الإشارة إلى أن النقل عنهم قد يختلط، وأن الأقوال تفاوتت، فنحن نصف قراءات متداولة ولا نقطع بصحتها أو بنسبتها إلى أصحابها.
ويتغير المعنى بتغير الصورة، فإن كان الفرج سريعاً فالأقرب أن المعنى يميل إلى شدة قصيرة، وإن كان بطيئاً فقد يعكس مرحلة أطول من الصبر. وإن كان الرائي يشعر بارتياح عميق عند النهاية فالمعنى أقوى في الميل إلى الاطمئنان، وإن كان الارتياح ضعيفاً فقد يعكس أملاً لم يتحقق بعد. وإن كان للبصل دور في الفرج، كأن يصير طعاماً طيباً مشتركاً، فقد يُقرأ على أن المشقة تحولت إلى نفع. والدموع هنا هي تنفيس مألوف لا شؤم.
وللرجل قد يرتبط الحلم بمرحلة ضغط في العمل أو المال يرجو الخروج منها، وفيه تثبيت له على الصبر. وللتاجر قد يشير إلى تقلب في السوق يتبعه انتعاش، فيحسن به التدبير دون تهور. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه شدة في البيت أو الأسرة يتبعها صفاء، وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى ضيق انتظار يتبعه أمل. أما الحامل فقد يكون الحلم تثبيتاً لها في مرحلة تتعب فيها وتنتظر الراحة، ولعل الله يجعل لها من كل ضيق مخرجاً.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى سبب الفرج في الحلم، فإن جاء من أهل أو صديق فهو سند، وإن جاء من الله دون سبب ظاهر فهو لطف. ويُنظر إلى لون البصل ونضجه، فالبصل الناضج الطري قد يوحي بأن الأمر قد وصل إلى وقت الفرج. ويُنظر إلى مشاعر الرائي، فالطمأنينة تبشر بحسن الظن، والقلق قد يدل على تعجل. وهذه كلها استئناسات لا تُبنى عليها أحكام.
وعلى المستوى النفسي والعملي قد يكون الحلم تذكيراً بأن الشدائد مهما اشتدت لا تدوم، وأن الأيام دول، وأن الفرج يأتي من حيث لا نحتسب. وقد يدعونا إلى حسن الظن بالله والأخذ بالأسباب والصبر الجميل. وفي ذكر الله والصلاة والدعاء سكينة تعين على الشدائد. ولا ينبغي أن نجعل الحلم بديلاً عن العمل والسعي، فالمتوكل يأخذ بالأسباب ويرجو الخير.
ومن الحكمة أن نتذكر أن الفرج لا يعني دائماً زوال الشيء الذي يضايقنا، فقد يكون الفرج في قوة القلب على تحمله، أو في ظهور حل لم نره من قبل، أو في تغير نظرتنا إلى الأمر. وهذا المعنى الواسع يجعلنا نقبل ما يأتي به الله برضا. فلنفتح قلوبنا لأنواع الفرج كلها، ولنشكر على ما يتيسر منها صغيراً كان أو كبيراً.
ولا بأس بأن يتذكر الإنسان في لحظات الضيق أن الدموع نفسها رحمة، وأن الله لا يضيع صبر الصابرين. فإذا جاءه هذا الحلم في ليلة ثقيلة فليعدّه تسلية لطيفة تشدّ من أزره، دون أن يحمّله أكثر مما يحتمل. وفي كل حال يبقى الاعتماد على الله وحده.
وإذا مرّ الإنسان بضيق حقيقي فليذكر أن الاستعانة بأهل الثقة من أهل وأصدقاء ومختصين عند الحاجة ليست ضعفاً بل حكمة، وأن الحديث مع من يحب يخفف كثيراً من ثقل الصدر. وقد يجد في حلم كهذا تشجيعاً بسيطاً، لكن العلاج الحقيقي للهم يكون بالأخذ بالأسباب والدعاء والصبر وتنظيم الحياة. ولا يغني أي تأويل عن هذه الأسس الراسخة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي أو وعد مضمون بالفرج. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الفرج والتيسير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية.
