قد يرى النائم أن البصل قريب من عينه أو أن عصيره قد لسع عينيه أو أنه يضع شريحة منه على عينه، فيستيقظ وهو يحكّ جفنيه ويتساءل. وهي صورة قد يكون سببها بسيطاً، كجفاف في العين أو ضوء في الغرفة أو ذكرى تقطيع بصل في المطبخ. وقد تأتي لمن لم يقترب من البصل في يومه. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيت أن أمراً بعينه سيصيب بصرك أو غيره. وما نعرضه قراءات قديمة نتأملها بهدوء، ولا شأن لها بصحة العين.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط المقرون بقدر من الكدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وفي سياق العين، التي ترتبط في كلام الناس بالنظر والبصيرة والدمع، قد يقرأ بعضهم البصل فيها دمعاً يخفف عن القلب، أو أمراً يحتاج إلى نظر متأنٍّ. وقد يقرأ آخرون أن ما يلسع العين يشبه كلاماً حاداً يؤثر في النفس ثم يزول. وهذه استحسانات في الربط بين الرمز والموضع، ولا قاعدة وراءها.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نكد وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يعقبه فرج. وربط بعض المتأخرين بين البصل والدموع بحكم الواقع المعروف. غير أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ولا نعلم لهم تفصيلاً في هذه الصورة بعينها. ونحن نحكي ولا نقرر، ونتحفظ على نسبة بعض الأقوال إلى القدماء لما في كتب التعبير من التباس.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فدمعة خفيفة تعقبها راحة غير حرقة شديدة تدوم، وبصل بعيد عن العين غير بصل لاصق بها. وقد يقرأ بعضهم الأول تنفيساً ثم صفاء، والثاني ضيقاً يحتاج إلى صبر. وإن غسل الرائي عينه بالماء في الحلم فقد يُنظر إليه على أنه تخلص من أمر مزعج، وإن بكى حتى ارتاح فقد يُقرأ فرجاً. ولون البصل وكميته مما ينظر فيه بعضهم، لكن الأهم هو شعور الرائي بعد الاستيقاظ، فإن كان مرتاحاً فالأمر أخف.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن أمر لم يتضح له كل الوضوح فيحتاج إلى نظر، وللمرأة المتزوجة حديثاً عن دموع تكتمها أو تعب تحمله. وللعازبة حديثاً عن مشاعر كامنة تتمنى أن تنفّس عنها. وللحامل قد تُنسب إلى حساسية العين والمزاج في الحمل. وللطفل قد تكون ذكرى بكاء ولعب. وللمريض قد تكون أثراً من تعب النوم. وجميع هذه القراءات احتمالات لا يُحكم بها على أحد.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يبكي بسبب البصل وهو يبتسم، فقد يُقرأ عند بعضهم مزيجاً من التعب والرضا، وإن رأى أنه لا يبكي مهما اقترب منه فقد يُنظر إليه على أنه صلابة وتحمل. وإن رأى غيره يبكي من البصل فقد يُحمل على تعاطف مع معاناة بسيطة. وإن رأى أن عينيه تحمرّان ثم تصفوان فقد يُقرأ زوال هم. وهذه التفصيلات كلها ظنية، ولا يحسن التوسع فيها.
وفي اللغة والأعراف يرتبط النظر بالتبصّر والاعتبار، فيقول الناس عمّن أحسن النظر في أموره إن له عيناً بصيرة. ولعل ذلك هو ما حدا ببعض المعاصرين إلى قراءة هذه الرؤيا تنبيهاً لطيفاً إلى أن يتروّى الرائي في أمر يعرض له ولا يستعجل الحكم عليه. وهذا معنى عام يصلح لكل أحد وفي كل وقت، ولا يتوقف على بصل ولا عين. وهو أقرب إلى النصيحة الحسنة منه إلى التفسير المخصوص.
وعملياً ونفسياً، فقد تذكّر الرؤيا بأن الدموع ليست عيباً، وأن الإنسان قد يحتاج إلى البكاء أحياناً ليتخفف مما يحمل في قلبه، وأن ذلك لا ينقص من قدره. وتذكّر بأن بعض الأمور المؤلمة تنتهي بصفاء كما تنتهي لسعة البصل. وتدعو إلى أن نرفق بمن حولنا فلا نؤذيهم بكلام يدمع العيون. ومن كان يحمل همّاً فلا بأس أن يفضي به إلى من يثق به من أهل الخير.
وإن شعر الرائي بحرقة حقيقية في عينه عند الاستيقاظ فقد تكون من جفاف الغرفة أو من إجهاد الشاشات أو من غبار، ولا علاقة لذلك بالمنام ولا بتفسيره. وإن استمرت الحرقة أو تكرر الألم فمن الحكمة أن يراجع طبيب العيون، فصحة البصر أمانة تُحفظ بالأسباب لا بالتأويل. وفي هذا بيان لحدّ الأحلام وحدّ الطب، فلكل مجاله، ولا يُغني أحدهما عن الآخر.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في علاج أو علاقة أو معاملة. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات بشرية قد تخطئ.
