قد يرى النائم أنه يحمل بصلاً في يده، بصلة واحدة أو عدة بصلات، يقلّبها أو يقشّرها أو يقدّمها لغيره أو يشعر بملمسها الخشن الجاف. وهذه صورة قريبة من الأفعال اليومية المعتادة، فكثيراً ما نمسك البصل في المطبخ أو السوق. ولذلك قد تكون الرؤيا انعكاساً لعمل مررت به أو ستمر به. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيت أن أمراً بعينه سيقع. وما نعرضه هنا قراءات قديمة نتأملها بهدوء وتواضع على سبيل المعرفة.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط المقرون بقدر من الكدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وفي سياق اليد، التي ترمز في الكلام العام إلى العمل والكسب والتصرف والعطاء، قد يقرأ بعضهم البصل فيها رزقاً قريباً من متناول صاحبه يأتي بجهد يديه. وقد يقرأ آخرون أن حمله في اليد يعني أمراً بين يديه ينبغي أن يتصرف فيه بحكمة. وهذه استحسانات في الربط بين الرمز والموضع، ولا قاعدة وراءها.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نصب وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يعقبه فرج. إلا أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ولا نعلم لهم قولاً مفصلاً في حمل البصل باليد، فهذا من الاجتهاد المتأخر. ونحن نحكي الأقوال دون تقرير، ونتحفظ على نسبة بعضها إلى أصحابها، ونذكر أن كتب التعبير اختلط فيها القديم بالمضاف.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فبصلة ناضجة ثقيلة في اليد غير بصلة ذابلة، وبصل في يد نظيفة غير بصل في يد ملوثة. وقد يقرأ بعضهم الأول رزقاً ممتلئاً، والثاني رزقاً قليلاً أو متعباً. وإن شعر الرائي بملمس البصل مريحاً فهو أخف عليه، وإن شعر بحرقة في كفّه فقد يكون أثراً من وضعية النوم أو يد منضغطة. وإن كان يقشّره بهدوء فقد يُقرأ كدّاً يسيراً. والشعور في الحلم هو أهم دليل.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن عمل بين يديه يحتاج إلى إنجاز، وللمرأة المتزوجة حديثاً عن شؤون أسرتها التي تتولاها بيديها، وللحرفي حديثاً عن صنعته. وللعازبة قد تُقرأ حديثاً عن بداية عمل صغير. وللتاجر عن بضاعة يتناولها. وللطفل لعب بسيط. وكل ذلك احتمالات لا يحكم بها، وهي قراءات يختار منها كل إنسان ما يوافق نفسه، أو يتركها كلها.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يقدّم البصل بيده لغيره، فقد يُقرأ عند بعضهم عطاء بسيطاً، وإن رأى أنه يأخذه من غيره فقد يُقرأ رزقاً أو معروفاً. وإن رأى أنه يعصره بكفّه فقد يُحمل على جهد في أمر شاق. وإن رأى أنه يرمي ما في يده فقد يُنظر إليه على أنه تخلص من عبء صغير. وإن رأى يده تتلون بالبصل فقد يُقرأ أمراً يعلق بالعمل. وهذه تفصيلات ظنية، وأولى بالإنسان ألا يتعلق بها.
وعملياً ونفسياً، فقد تذكّر الرؤيا بأن اليد التي تعمل بصدق هي أصل الرزق الحلال، وأن العمل الصغير الذي يُؤدى بإتقان خير من حلم كبير بلا سعي. وتذكّر بأن الكرم لا يحتاج إلى مال كثير، فبصلة تُهدى بنية طيبة قد تُدخل السرور. وبأن اليد ينبغي أن تُصان عن الأذى، فلا تُرفع بما يؤلم. ومن كان يعمل بيديه فليشكر الله على صحتهما، فهي نعمة كبيرة.
وقد تكون الرؤيا امتداداً لحركة اليد في الواقع، فمن اعتاد تقشير البصل أو من عمل به قبل النوم قد تعيد يده في المنام الحركة نفسها، وهذا من الظواهر المعروفة في الأحلام. وكذلك من نام ويده تحت رأسه قد يشعر بأشياء غريبة فيها. وفي هذه الحال فالأمر جسدي محض ولا رمز فيه. ويكفي أن يتحرر الرائي من التفكير الزائد وأن يعدّ ما رآه حديثاً عابراً، ثم يشكر الله على نعمة النوم والعافية.
ويلاحظ أن الأحلام التي تدور حول اليدين وأعمالهما تكثر عند أصحاب المهن اليدوية وعند ربات البيوت وعند من يكتبون كثيراً أو يستعملون الحاسوب، لأن اليد تؤدي عندهم أكثر ما يؤدونه في يومهم. ولذلك فإن حمل بصلة في اليد في المنام قد يكون أقرب إلى حنين صامت إلى عمل مألوف منه إلى رمز عميق. ومن لم يجد صلة بين الرؤيا وحياته فلا حرج عليه في أن يتجاهلها.
والكرم باليد مما حثّ عليه الناس في أعرافهم، فمن رأى أنه يعطي بصلاً فقد يدفعه ذلك إلى أن يتصدق بما تيسّر ولو كان قليلاً، فالقليل مع النية الطيبة له قدره. وبذلك تتحول الرؤيا من صورة عابرة إلى باعث على فعل خير حقيقي، وهذا خير ما تُستثمر فيه الأحلام لمن أراد الاستفادة منها.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في كسب أو عمل أو إنفاق. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات بشرية قد تخطئ.
