قد يرى النائم أنه يقشّر البصل طبقة بعد طبقة، فكلما أزال قشرة ظهرت تحتها أخرى حتى يصل إلى القلب، وربما شعر وهو يفعل ذلك أنه يكشف شيئاً مستوراً أو يقترب من حقيقة ما. وهذه من أجمل صور البصل في الأحلام لأنها تعكس خاصيته المعروفة، وهي أن له طبقات متراكبة يغطي بعضها بعضاً. وسنذكر ما قيل في تأويلها بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني لا يُؤخذ حرفياً، ولا يُراد به أن يتتبع أحد أسرار الناس.
والطبقات في عالم الرموز تُقرأ عند بعض المفسرين على أنها أمور مستورة تتكشف بالتدرج، وقد يُقرأ التقشير على أنه وضوح تدريجي في مسألة كانت ملتبسة، أو فهم أعمق لنفس الرائي ولحقيقة موقف مر به. وقد ذكروا في البصل عموماً أنه رزق متواضع مع عناء، وضيق ودموع يعقبهما فرج، وكلمة حادة، وأمور مستورة تنكشف طبقة طبقة. فصورة التقشير قد توحي بأن الرائي يقترب من فهم أمر ما شيئاً فشيئاً، وأن الوضوح يأتي بالصبر، وهذه قراءة عامة لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن القشر في المنام قد يدل على ما يستر الشيء، وأن إزالته قد تدل على ظهور ما كان مخبوءاً، وقال بعضهم إن البصل مال فيه عناء. وذهب بعض المفسرين إلى أن تقشير الطعام قد يدل على استخلاص الخير بعد جهد. وقد اختلف أهل التعبير في هذه الدلالات اختلافاً كبيراً، ولا نقطع بنسبة كل قول إلى قائله، فنحن نعرض قراءات تتداول بين الناس لا حقائق مؤكدة.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل الحلم، فإن كان ما في القلب من البصل نظيفاً أبيض فقد يُقرأ ذلك على أن حقيقة الأمر في النهاية سليمة، وإن كان فاسداً فقد يُقرأ على أن الأمر الخفي لم يكن كما ظُن. وإن بكى الرائي أثناء التقشير فقد يعكس ذلك مشاعر تثيرها المكاشفة، وهي تنفيس لا شؤم. وإن كان التقشير سهلاً سلساً فالأمر يوحي بوضوح قريب، وإن كان عسيراً فقد يوحي بأن الفهم يحتاج إلى وقت. وكثرة الطبقات قد تُقرأ على تعقيد الأمر.
وللرجل قد يرتبط الحلم بمحاولة فهم موقف في عمله أو أسرته كان غامضاً عليه، وفيه دعوة إلى التؤدة وحسن الظن. وللتاجر قد يشير إلى تدقيق في تفاصيل صفقة أو حساب بالتدريج. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه فهم أعمق لأهل بيتها ومشاعرهم، بالصبر والإصغاء لا بالتنقيب. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى معرفتها بنفسها وبما تريد، مع الزمن والتجربة. أما الحامل فقد يرتبط عندها بترقب ما سيأتي، وهو شعور طبيعي لا يحتاج إلى تأويل ثقيل.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى ما وجده الرائي في القلب، فإن كان نقياً فهو معنى الوضوح، وإن كان لا شيء فهو معنى أن بعض الأمور لا تحمل ما نتوقع. ويُنظر إلى مكان التقشير، فالبيت قد يرتبط بالأسرة، والعمل بالمهنة. ويُنظر كذلك إلى سرعة الفعل، فالتأني يوحي بحكمة، والعجلة توحي بقلق. ولا بد أن نؤكد أن المقصود بهذه الدلالات فهم النفس والمواقف، لا تتبع أسرار الآخرين، فالتجسس والتفتيش في خصوصيات الناس منهي عنه ومذموم.
وعلى المستوى النفسي والعملي يمكن أن يذكّرنا الحلم بأن في كل إنسان طبقات من المشاعر والتجارب لا تظهر كلها دفعة واحدة، وأن معرفة النفس رحلة تحتاج إلى صبر ورفق. وقد يدعونا إلى أن نتفهم الناس بدل أن نسارع إلى الحكم عليهم، فربّ ظاهر لا يدل على الباطن. والأجمل أن نستر ما ينبغي ستره ونحسن الظن، ونترك لكل إنسان خصوصيته، وأن نعمل على تهذيب ما في أنفسنا من طبقات القسوة حتى يصل القلب إلى لين وصفاء.
ويتجلى في هذا الحلم معنى أخلاقي جميل، وهو أن الوصول إلى الحقيقة يكون بالأدب والرفق لا بالعنف والتقصي، فالبصل إذا قُشّر برفق بقي سليماً وإذا مُزّق قسراً فقد جماله. فكذلك العلاقات حين تُدار بالاحترام والثقة تبقى حية، وحين تُدار بالشك والتنقيب تذبل. فلنأخذ هذا المعنى زاداً، ولنستر على أنفسنا وعلى غيرنا.
ومن المناسب هنا أن نؤكد أن الستر خلق عظيم، وأن من ستر على نفسه وعلى الناس عاش مطمئناً. فإذا رأى أحد في حلمه أسراراً تنكشف فليحذر من أن يجعل ذلك مدخلاً لسوء الظن بمن حوله، وليتذكر أن الحلم لا يعدو أن يكون خاطراً، وأن الأصل في المسلم أن يحسن الظن. وفي الاشتغال بإصلاح النفس ما يغني عن الانشغال بعيوب الآخرين، وهذا هو الفهم الأسلم لهذا النوع من الرموز.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي أو لاتهام أحد أو للتنقيب في شؤون غيره. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الستر والبصيرة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية.
