من الأحلام التي تتكرر عند كثيرين أن يروا البصل على مائدة الغداء، إما أن يكون طعاماً قائماً بذاته أو مكوّناً في طبق معروف. وهذه صورة بسيطة مألوفة، فالغداء وقت اجتماع كثير من الأسر، والبصل داخل في أصناف عديدة من أطباقه. ولذلك قد تكون الرؤيا صدى لوجبة أكلها الرائي أو اشتاق إليها. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيته أن أمراً معيناً سيحدث. وما نذكره قراءات قديمة نعرضها على سبيل التأمل فقط.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق الذي يأتي ببساطة مع شيء من الكدّ، ورمز الدموع التي تفرّج، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وإذا اجتمع ذلك مع صورة المائدة، فقد يقرأ بعضهم فيه معنى الرزق المشترك الذي يتقاسمه أهل البيت وإن كان قليلاً. وقد يقرأ آخرون أن المائدة موضع تُسمع فيها الأخبار والأحاديث، فيكون البصل إشارة إلى كلام يُقال بصراحة. وهذه استحسانات في التأويل لا تقوم عليها قاعدة.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتداوله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه تعب وكدّ. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى هم عابر أو كلام غليظ. على أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ومنهم من رأى في الطعام المطبوخ خفة ليست في النيء. ونحن لا نقرر شيئاً، وإنما نحكي ما قيل، ونتحفظ على نسبة بعض الأقوال إلى قائليها لما فيه من خلاف معروف بين العلماء في كتب التعبير.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير تفاصيل الغداء، فبصل مطبوخ في طبق دافئ غير بصل نيء في طبق جانبي، وبصل مقلي ذهبي غير بصل محروق. وقد يقرأ بعضهم المطبوخ استقراراً وهدوءاً بعد حدّة، والنيء أمراً لم يستوِ بعد، والمحروق انفعالاً زائداً. ولون البصل وكميته مما ينظر فيه بعضهم. وللأجواء اعتبارها، فإن كانت المائدة عامرة بالأحبة فقد يخفّ الأمر في عين الرائي، وإن كان وحيداً فقد يكون ذلك حديث نفس عن اشتياق إلى لمّة.
وللرجل قد يُقرأ البصل على مائدة غدائه منسوباً إلى رزق يومه وتعبه فيه، وللمرأة المتزوجة قد ينسب إلى انشغالها بتدبير المائدة وكلام الأسرة. وللفتاة العزباء قد يُنظر فيه إلى صورة من حياة بيت أهلها وما يجري عليه من أحاديث. وقد يقول بعضهم إن الغداء وقت منتصف النهار، فهو منتصف الجهد اليومي، وللبصل فيه معنى الصبر حتى تتمّ المهمة. وهذه كلها احتمالات لا يعتمد عليها.
ومن الدقائق أن يرى النائم أحدهم يقدّم له البصل في غدائه، فقد يُفهم معنى المشاركة، وإن رأى نفسه يقدّمه لغيره فقد يُقرأ كرماً بسيطاً. وإن رأى أن الطعام قليل وفيه بصل فقط فقد يُنظر إليه على أنه قناعة، وإن رأى مائدة عامرة فيها بصل فقد يُنظر إليه على أنه بركة في الأصناف. وإن لم يأكل منه شيئاً فقد يُقرأ توقفاً عن أمر ما، لكنه توقف عابر. وهذه التفصيلات تكثر فيها الظنون، ولا ينبغي التوسع فيها.
وعملياً ونفسياً، فإن هذه الرؤيا تذكّر بنعمة الاجتماع على الطعام وبفضل القناعة بما يُحضَر على المائدة، وبأن البساطة قد تكون أطيب من التكلف. وتذكّر بأن الحديث على المائدة ينبغي أن يكون لطيفاً صادقاً بعيداً عن الكلمة الجارحة. ومن كان بعيداً عن أهله فقد تكون الرؤيا دعوة هادئة لصلة الأرحام والسؤال عنهم. وليحمد الله على كل رزق وإن قلّ، فالحمد يبارك القليل.
ومما يلتفت إليه بعضهم في أحلام الطعام عموماً أن مائدة الغداء ترتبط في الذاكرة بالأسرة الكبيرة وأيام الجمعة والأعياد وزيارات الأقارب، فقد يستحضر العقل في المنام صورة بصل على مائدة قديمة من أيام الطفولة. وقد يكون ذلك حنيناً صافياً إلى زمن مضى ووجوه غابت، فيستيقظ الرائي بقلب رقيق. وهذا الحنين لا يحتاج إلى تفسير، بل إلى دعاء لمن غاب وصلة لمن حضر. وفيه ما يكفي من المعنى لمن أراد أن يستفيد.
ويحسن أن يعلم الرائي أن كثرة الاهتمام بتأويل كل صورة طعام قد تنقلب إلى وسواس يضيّق عليه عيشه، فيصير لا يرى بصلاً في طبق إلا وتساءل. والأصل في الأحلام أن لا تُثقل النفس، وأن تُقابل بالابتسامة والذكر. فالمائدة في اليقظة نعمة تُشكر، وما يُرى منها في النوم لا يغيّر من ذلك شيئاً. ومن أراد الأجر فليُطعم محتاجاً بدل أن يطيل التفكير في رمز.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً في أمر المعاش ولا في علاقات الناس، فلا يُبنى عليه قرار حقيقي. فمن رأى ما شغله فليكثر من الدعاء وحسن الظن بربه، وليأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه لا يعدو قراءات بشرية قد تخطئ، نسأل الله أن يبارك في أرزاقنا جميعاً.
