التاجر الذي يرى بصلاً في منامه قد يظن أن في الأمر إشارة تخص تجارته، وهو أمر مفهوم، فمن يعمل في البيع والشراء يرى في منامه ما يشبه عمله. والبصل سلعة معروفة تُباع وتُشترى على نطاق واسع، فلا يستغرب أن تظهر في أحلام من يعمل في الأسواق أو من يفكر في صفقاته. غير أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رآه أن أرباحه سترتفع أو تنخفض. وما نذكره في هذه المقالة قراءات قديمة نعرضها بحذر، وليس فيها ما يُعتمد عليه في دفتر الحسابات.
يرى بعض المفسرين في البصل رمزاً لرزق متواضع يصحبه قدر من المشقة، ويرى آخرون فيه رمزاً للدموع التي تخفّف وللكلمة الجارحة التي تمرّ وللأمور الخفية التي تنكشف تدريجياً. وقد يقرأ بعضهم في التاجر خصوصاً معنى الربح اليسير الذي لا يأتي إلا بعد جهد، كما أن البصل لا يُقشَّر إلا بدموع. وقد يقرأ آخرون فيه تنبيهاً إلى أن بعض ما يخفى من حال السوق سيظهر مع الأيام. وكل ذلك احتمال ضعيف لا يقوم عليه تقدير مالي، والمعاني مفتوحة على قراءات متعددة.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتداوله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على مال فيه شيء من النكد والتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام حاد أو هم يعقبه فرج. ومنهم من رأى في كثرة البصل علامة على كثرة المعاش وفي قلّته قلّة، ومنهم من رأى العكس، فاختلفوا اختلافاً بيّناً. ونحن هنا نحكي ولا نقرر، ونحتاط في نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها لما اعتراها من خلاف عند أهل العلم بالكتب.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير تفاصيل المشهد، فالبصل الذي يراه التاجر مكدساً في مخزنه طازجاً غير البصل الذي يراه ذابلاً متعفناً. وقد يقرأ بعضهم الأول معنى بضاعة جيدة وحسن تدبير، والثاني تنبيهاً إلى متابعة المخزون والاهتمام بما يُحفظ. والبصل الأحمر أو الأبيض أو الأصفر قد ينظر فيه بعضهم كما ينظر في صنوف البضاعة. ويُلتفت كذلك إلى مشاعر التاجر في الحلم، فإن كان مطمئناً بإنتاجه فهذا ألطف، وإن كان قلقاً فقد يكون ذلك انعكاساً لهموم عمله النهارية.
وإذا كان التاجر متزوجاً فقد يقرأ بعضهم الرؤيا متصلة بحساب النفقة والموازنة بين العمل والبيت، وقد تدل في أبسط صورها على أنه يحمل هموم معاشه في نومه كما يحملها في يقظته. وإذا كان أعزب فقد يُنظر إليها على أنها حديث نفس عن البدايات وتحمل المشاق الأولى في طريق الكسب. وهذه القراءات ليست قواعد، ولا ينبغي أن يرى التاجر في أي منها أمراً لازماً، فالنفس تحلم بما تشتغل به في نهارها أكثر مما تحلم برسائل.
ومن الدقائق التي يذكرها بعضهم أن يرى التاجر نفسه يبيع البصل أو يشتريه أو يقايض عليه، فقد يُقرأ البيع ربحاً متواضعاً، والشراء تدبيراً للمؤونة. وإن رأى نفسه يقشّره ويبكي فقد يُقرأ كدّاً ثم راحة. وإن رأى أن أحداً سرق بصله فقد يُفهم عند بعضهم قلقاً من المنافسة، لكنه قلق إنساني لا أكثر. وكل هذه الاحتمالات ظنية، ولا يصح أن يُبنى عليها فسخ شراكة أو شراء بضاعة أو بيعها أو الاعتذار عن صفقة.
ومن الناحية العملية والنفسية فإن أجمل ما يمكن للتاجر أن يأخذه من هذه الرؤيا هو التذكير بالقناعة وبالصبر على الأرباح الصغيرة التي تتراكم مع الأيام. وأن يحرص على صدق الكلمة مع الزبائن والشركاء، فإن الكلمة الحادة قد تكلّف أكثر مما يتصور. وأن يتعاهد حساباته ومخزونه بالتدقيق، فالتدبير المنظم هو الأصل في التجارة لا الأحلام. وليتذكر أن البركة في الرزق مطلب أوسع من كثرته.
ويشير بعض المعاصرين ممن يكتبون في هذا الفن إلى أن أحلام أهل السوق والتجارة تميل إلى أن تكون صدى مباشراً لأحوال المهنة، فمن عاش بين الموازين والأكياس والمساومات رأى بضاعته في منامه حتى لو لم يقصد. ولذلك لا يرون كبير فائدة في استخراج دلالات غيبية من كل رؤيا تجارية، ويكتفون بأن يعدّوها تعبيراً عن الاشتغال بالرزق. ومن ثمّ فإن التاجر الذي رأى البصل قد لا يحتاج إلى أكثر من أن يبتسم لذكرى يوم عمل طويل، ثم يمضي إلى سوقه بقلب مطمئن ويدٍ أمينة، متوكلاً على ربه في كل خطوة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، وليس مرجعاً في قرار مالي أو تجاري ولا في توقع ربح أو خسارة. فليبنِ التاجر قراراته على الدراسة والمشورة والخبرة والأسباب المشروعة، وليكثر من الدعاء بالتوفيق وليحسن الظن بالله. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وما كتبناه ليس إلا قراءات بشرية قد تصيب وقد تخطئ.
