قد يرى النائم أن البصل حاضر في مشهد صباحي، كأن تكون الشمس قد طلعت للتو أو يكون الناس يتهيأون ليومهم أو يكون هو يعدّ فطوره. وهذه صورة مألوفة لأن الصباح وقت البدايات، والبصل يدخل في كثير من أطباق الفطور في بلاد ومنازل عدة. ولذلك قد تكون الرؤيا صدى لعادة يومية أكثر منها رسالة. ويجب أن يُفهم أن التفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيته أن يومك سيكون على صفة بعينها. وما نذكره هنا قراءات قديمة نعرضها بتأنٍّ وتواضع.
يرى بعض المفسرين في البصل رمزاً لرزق بسيط مع قدر من الكدّ، ولدموع تفرّج، ولكلمة حادة تمرّ، ولأمور خفية تنكشف طبقة بعد طبقة. ويُضاف إلى ذلك في سياق الصباح فكرة البداية، فقد يقرأ بعضهم ظهور البصل صباحاً على أنه افتتاح يوم فيه عمل يسير يحتاج إلى صبر. وقد يقرؤه آخرون على أنه تنبيه إلى أن أمراً مستوراً سيتضح مع تقدم النهار. وهذه كلها استحسانات لا ثبوت لها، وإنما هي طرق في الربط بين الرمز والزمن. ويظل كل ذلك احتمالاً مفتوحاً.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتداوله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نكد وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم ثم فرج. غير أن المفسرين اختلفوا في ذلك، وليس فيما نعلم من قولهم تخصيص للصباح بحكم في هذه الصورة. ولذلك فإن ربط الوقت بالبصل هو في الغالب من اجتهاد المتأخرين وأهل التأويل المعاصرين، وهو أضعف من غيره. ونحن نصف القراءات ولا نقررها، ونتحفظ على ما نُسب إلى القدماء.
ويتغير المعنى باختلاف التفاصيل، فبصل طازج يُقطَّع على مهل في مطبخ هادئ صباحاً ليس كبصل يُقلى على عجل. وقد يُقرأ الأول أنساً وبساطة في العيش، والثاني انشغالاً وتعجلاً. وإن كان النور صافياً والبيت هادئاً فقد يُنظر إلى المشهد بعين الاستبشار الخفيف، وإن كانت الدموع غزيرة والجو مضطرباً فقد يُحمل على تعب عابر. ولون البصل وكميته ينظر فيهما بعضهم، أما شعور الرائي فهو أهمها، فمن استيقظ مرتاحاً لا حاجة له بالتأويل المتشائم.
وللرجل قد يقرأ بعضهم البصل صباحاً مرتبطاً بذهابه إلى عمله وسعيه، فيه معنى الكدّ الذي ينتظره في يومه ثم الرزق الذي يعود به. وللمرأة المتزوجة قد يُنظر إلى المشهد على أنه صورة من انشغالها بإعداد طعام أسرتها وتجهيز أولادها، وهو أمر طبيعي في بيوت كثيرة. وللفتاة العزباء قد يُرى انعكاساً لبساطة أيامها ولطلبها بداية جديدة. وجميع ذلك قراءات ظنية لا تتجاوز حدود الاحتمال.
ومن الدقائق أن يرى النائم البصل مع الخبز أو الجبن أو البيض في فطور واحد، وهذا مشهد معتاد قد يدل عند من يغلّب القراءة الواقعية على حنين إلى مائدة الأسرة. وإن رأى بصلاً أخضر يُقطَّع فقد يُستخف الأمر عند بعضهم لنضارته وخفته. وإن رأى بصلاً يابساً فقد يُفهم ثقلاً وجفافاً في بعض الأمور. وكل هذا مما يختلف فيه الناس اختلافاً بيّناً، فلا يُعتمد عليه في شيء.
ومن الجانب العملي والنفسي، فإن صباحاً يظهر فيه البصل قد يذكّر صاحبه بأن يبدأ يومه بنية طيبة وهمّة هادئة، وأن يتهيأ للصبر على مشاق يومية صغيرة. وأن يختار كلماته الأولى مع أهله بلطف، فبداية اليوم الجميلة تعين على بقيته. وأن يفطر خفيفاً وأن يتوكل على ربه قبل خروجه. وليس في ذلك تفسير بل تذكير بالخير، يعين على اليوم أياً كان ما رآه.
ويلاحظ كثير من الناس أن أحلام الصباح الباكر هي أوضح ما يُحفظ في الذاكرة، لأنها تأتي قبيل الاستيقاظ فتبقى صورها حاضرة في الذهن. ولذلك قد يخيّل للرائي أن لها وزناً أكبر مما لغيرها، وهذا من خصائص الذاكرة لا من خصائص الرؤيا. فإذا رأى البصل في هذا الوقت ثم نسي أكثر تفاصيله، فلا يلحّ على نفسه في التذكر ولا يزيد عليه من خياله، فالزيادة تفسد الصورة وتوهم صاحبها بمعانٍ لم تكن.
وقد يجمع بعض الكتّاب المعاصرين في هذا الباب بين التأمل الروحي والوعي النفسي، فيقولون إن الصباح فرصة لصفاء الذهن، وإن من رأى بصلاً في فجر نومه يمكنه أن يعدّ ذلك دعوة إلى بداية خفيفة بلا تكلف ولا إسراف. فيشرب ماءً ويذكر ربه ويخرج إلى سعيه بقلب مطمئن. هذا الفهم لطيف ويكفي صاحبه، ولا يلزم أن يُنسب إلى المنام نسبة غيبية.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه يوم ولا سفر ولا عمل ولا قرار. فمن رأى ما شغله فليجعل أمره إلى الله بالدعاء وحسن الظن به، وليمضِ في يومه بأسبابه المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات إنسانية قد تخطئ، فلا تجعل منها حاكماً على يومك.
