قد يرى النائم أن البصل حاضر في المسجد، كأن يجده في زاوية أو يحمله أحد المصلين أو يراه على سجادة أو عند المدخل. وهي صورة غريبة بعض الشيء، لأنها تجمع شيئاً من مطبخ البيت بمكان يعظّمه الناس ويحبون الهدوء فيه. ولذلك قد يستيقظ الرائي متعجباً أو مستغرباً. والأحلام كثيراً ما تخلط بين أماكن وأشياء لا تجتمع في الواقع، فلا تثقل نفسك بهذه الغرابة. والتفسير رمزي لا حرفي، وما نعرضه قراءات قديمة نتأملها بأدب وهدوء.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط المقرون بقدر من التعب، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور شيئاً فشيئاً. وفي سياق المسجد، الذي ترمز صورته في كتب التعبير إلى الطمأنينة والسكينة والاجتماع على الخير، قد يقرأ بعضهم البصل فيه دموع خشوع أو تأمل أو راحة بعد ضيق. وقد يقرأ آخرون أن الطبقات رمز لما يحمله الإنسان في قلبه من أمور يخلو بها مع ربه في مكان هادئ. وهذه استحسانات في الربط بين الرمز والمكان، وليست قواعد مقررة.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نصب وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يعقبه فرج. إلا أن المفسرين اختلفوا في الأمر، ولا نعلم لهم قولاً مفصلاً في اجتماع البصل بالمسجد. ونحن نحكي الأقوال دون تقرير، ونتحفظ على نسبة بعضها إلى أصحابها، ونذكر أن ما نقوله هنا قراءات بشرية لا تتجاوز حدود الاحتمال.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فمسجد هادئ نظيف مضيء غير مسجد مزدحم مضطرب، وبصل في يد رجل ودود غير بصل مرمي مهمل. وقد يقرأ بعضهم الأول سكينة وأنساً، والثاني انشغالاً وتشتتاً. وإن شعر الرائي بالراحة في المكان فالأمر أخف عليه، وإن شعر بالحرج فقد يكون ذلك أثراً من انشغال عابر أو شعور بالتقصير في أمر ما. وإن رأى أنه يبكي في المسجد فقد يُنظر إليه تنفيساً صادقاً يعقبه صفاء. وأهم من ذلك كله ما يجده الرائي في قلبه عند الاستيقاظ.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن علاقته بمسجد حيّه وأهله، وللمرأة المتزوجة قد تُقرأ حديثاً عن حاجتها إلى لحظة سكون وسط انشغال بيتها. وللشاب قد تُقرأ حنيناً إلى رفقة صالحة. وللحامل قد تُقرأ حاجة إلى طمأنينة وهدوء. وللمريض قد تُقرأ حاجة إلى سند روحي، فالمسجد عنده مكان أنس. وهذه كلها احتمالات لطيفة لا يُحكم بها، ولا يُبنى عليها شيء.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أنه يضع البصل في المسجد أو يأخذه منه أو يراه في يد إمام أو خادم المسجد. وقد يُقرأ عند بعضهم أن في الأمر صلة بالجماعة وأحوالها، لكنه احتمال ضعيف. وإن رأى البصل في المسجد على هيئة غريبة كأن يكون كبيراً جداً أو مضيئاً فقد يكون ذلك من خلط الخيال، لا يُنظر إليه إلا على أنه صورة. وإن رآه ثم تحول الجو إلى خشوع وسكينة فقد يكفيه هذا الشعور الطيب. ولا يليق بالمرء أن يطيل البحث في أمر غامض.
وعملياً ونفسياً، فإن هذه الرؤيا قد تكون تذكرة لطيفة بأن في حياتنا مساحة للهدوء والخلوة مع الله لا ينبغي أن نهملها وسط مشاغل الرزق. وتذكّر بأن بعض ما يُبكينا في الدنيا قد يكون ثقيلاً لكنه يخفّ بالدعاء والسكينة. ومن لم يكن منتظماً في الذهاب إلى المسجد فلعل الصورة تحنّ به إلى ذلك، وفي ذلك خير يسير يتيسر بالتدرج. وليحرص على الكلمة الطيبة مع الناس عموماً، فالأدب مع الخلق من تمام الأدب مع الخالق.
وقد تكون الرؤيا لا تعني شيئاً أكثر من أن الذهن جمع بين ما رآه في النهار من مطبخ وما مرّ به من مسجد، فالمنامات كثيراً ما تقصّ من الواقع وتلصق دون ترتيب. وإن لم يجد الرائي لها صلة بحاله فليترك الأمر ولا يشغل نفسه، وليحمد الله على سلامة يومه وصفاء قلبه. وليجعل من ذكر الله وكثرة الدعاء ما يملأ به وقته، فهو أنفع من البحث عن تأويل لصورة لا تُحمل إلا على الخيال.
ولا يخفى أن للمسجد مكانة في نفوس الناس، ولذلك فإن كل ما يُرى فيه في المنام يستحق الأدب في الحديث عنه، فلا يُستهان بالرؤيا ولا يُبالغ فيها. وأحسن ما يُقال إن من رأى مثل هذا المشهد فعليه أن يتذكر نعمة الأمن والسكينة، وأن يشكر الله على ما أنعم عليه من مكان يلجأ إليه قلبه. وليكثر من الدعاء لنفسه ولأهله ولمن يحب. وبذلك يتحول الاستغراب إلى شكر، والحيرة إلى طمأنينة، ويمضي في يومه خفيف القلب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في دين أو دنيا. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة في كل أمر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس إلا قراءات بشرية قد تخطئ.
