قد يرى النائم أن البصل على ملابسه، كأن تكون قشوره ملتصقة بثوبه أو رائحته عالقة بقميصه أو عصيره قد انسكب على كمّه. وهي صورة قريبة من الواقع لمن يعمل في المطبخ أو يقترب منه، وقد تأتي لمن لا صلة له به. ولهذا قد تكون الرؤيا انعكاساً لموقف يومي أو لخوف من الإحراج بين الناس بسبب مظهر أو رائحة. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيت أن أمراً بعينه سيقع لك. وما نعرضه قراءات قديمة نتأملها بهدوء وتواضع.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط الذي يصحبه كدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وفي سياق الثياب، التي ترمز في كثير من كتب التعبير إلى حال الإنسان وسمعته وما يظهر منه بين الناس، قد يقرأ بعضهم البصل عليها كلاماً يعلق بصاحبه، أو أثر تعب في المعاش يظهر على هيئته. وقد يقرأ آخرون أن العالق به يزول بالغسل والنظافة، فيكون معنى ذلك أمراً عابراً. وهذه استحسانات في ربط الرمز بالمكان، ولا قاعدة لها.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نكد وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يزول. وجاء في بعض ما يُنقل في هذا الباب أن الثوب في الرؤيا يدل على الدين أو الحال أو الستر، لكن المفسرين اختلفوا في تفصيل ذلك اختلافاً واسعاً. ونحن نحكي الأقوال دون تقرير، ونتحفظ على نسبتها إلى أصحابها، ونذكر أن ما نقوله قراءات بشرية لا أكثر.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فقشر جاف خفيف على الكمّ غير عصير ملوّث في الصدر، وبصل على ثوب قديم غير بصل على ثوب جديد. وقد يقرأ بعضهم الأول أمراً هيناً يُنفض، والثاني أمراً يحتاج إلى عناية وغسل. وإن نفض الرائي الثوب بسهولة فقد يُنظر إلى المشهد على أنه تخفف من أمر ثقيل، وإن لم يستطع فقد يكون ذلك قلقاً من أمر يلاحقه. وإن لم يكترث بما عليه فقد يُقرأ طمأنينة نفس. والشعور في الحلم هو الأهم في هذا كله.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن حرصه على صورته أمام الناس وعمله، وللمرأة المتزوجة حديثاً عن اهتمامها بمظهر أسرتها، وللعازبة حديثاً عن حرصها على صورتها بين الأقارب. وللتاجر عن سمعته في السوق، وللموظف عن مظهره في عمله. وللحامل قد تُنسب إلى حساسيتها المتزايدة تجاه الروائح. وللطفل قد تكون ذكرى لعب أو أكل. وهذه القراءات كلها احتمالات خفيفة لا تُلزم أحداً.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أن ثوبه كله مغطى بقشر البصل فقد يُقرأ كثرة مشاغل تحيط به، وإن رأى بقعة صغيرة فقد يُقرأ أمراً يسيراً. وإن رأى أن غيره هو من لطّخ ثوبه فقد يُحمل على كلام قاله أحد في حقه، لكنه احتمال ضعيف لا يجوز أن يبني عليه ظناً بأحد. وإن رأى أنه ينظف الثوب ويغسله فقد يُنظر إليه إصلاحاً لأمر. وإن رأى الرائحة ولم ير البصل فقد يكون ذلك أثراً حسياً. وكل ذلك ظني.
وعملياً ونفسياً، فقد تكون الرؤيا دعوة هادئة للعناية بالنظافة والمظهر اللائق دون مبالغة، وللتخفف من حرج الناس الذي لا يضيف خيراً. وتذكّر كذلك بأن الكلمة التي تعلق بالنفس كرائحة البصل بالثوب قد تبقى زمناً، فالأولى انتقاء الكلام. وبأن ما علق بالمرء من هموم يمكن تنظيفه بالدعاء والذكر والصدقة والنوم الهادئ، كما يُغسل الثوب. وفي هذا المعنى لطف يفيد من قلق من الرؤيا.
وقد يتصل المنام بحدث بسيط، كأن يكون الرائي قد طبخ قبل النوم أو جلس قرب من يطبخ فعلقت رائحة البصل بثيابه، وبقي أثرها حاضراً في الذهن حتى النوم. وهذا من أكثر أسباب هذه الرؤيا شيوعاً، ويكفي معه أن يتبين الأمر ويعذر نفسه. فلا حاجة إلى البحث عن رمز عميق. وإن كان في الرؤيا ما يقلق فليبدّل ثيابه وليشرب ماءً وليستغفر ربه وليعد إلى نومه مطمئناً.
ومن المعروف أن الثياب في الأحلام كثيراً ما تتصل عند المعاصرين بالشعور بالانكشاف أو الحرج، ولذلك تتكرر أحلام الثياب المتسخة أو الممزقة عند من يخشون نظرة الناس أو يمرّون بمواقف اجتماعية جديدة. فإذا كان البصل هو ما علق بالثوب فقد يكون الحرج من رائحة أو بقعة هو سبب الصورة. وفي هذه الحال لا ينبغي أن يُعطى الأمر حجماً أكبر من حقيقته، فالناس في الغالب لا ينتبهون لتفاصيل صغيرة كما نتخيل.
وإن أراد الرائي أن يجعل من الرؤيا فائدة فليتذكر أن لباس التقوى والستر والأخلاق الحسنة خير ما يُرى على الإنسان، وأن النظافة من الخلق الكريم، وأن الأناقة المعتدلة لا تتعارض مع القناعة. وهذا المعنى العام يفيد كل من رأى ثوباً في المنام، ولا يتوقف على بصل أو غيره.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في علاقة أو معاملة أو ظن بأحد. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات بشرية قد تخطئ.
