من الصور التي قد تمرّ بالنائم أن يرى نفسه يضع البصل على جرح في جسده أو جسد غيره، وهو مشهد يوقظ في النفس شيئاً من الانقباض حين يتذكره الإنسان بعد الاستيقاظ. وهذه الصورة تجمع شيئين لهما حضور قوي في الذاكرة، الجرح بما فيه من ألم وحاجة إلى العناية، والبصل بما فيه من حدّة وبساطة وألفة. وعلينا أن نتذكر دائماً أن الأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، وأن ما يُرى فيها لا يعني أن شيئاً مماثلاً سيقع في الحقيقة، فالجرح في المنام ليس جرحاً حقيقياً ولا نذير أذى.
وفي تعبير الرؤى يشير البصل عند بعض المفسرين إلى معاش بسيط يصحبه تعب، وإلى دموع وضيق يعقبهما فرج، وإلى كلمة حادة، وإلى أمور مستورة تنكشف شيئاً فشيئاً. أما الجرح فيُفسَّر عندهم في الغالب بكلمة مؤذية أو أذى معنوي أو خسارة تترك أثراً في النفس. فإذا اجتمع الاثنان في الحلم جاز أن يُقال إن الرائي يحاول أن يعالج أذى أصابه، معنوياً كان أو مادياً، بوسيلة متاحة وبسيطة، مع ما قد يخالط ذلك من حدّة أو ألم في أثناء المعالجة. وهذه قراءة رمزية عامة لا غير.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الجراحة والجرح قد تدل على قول يؤذي أو مال يذهب أو همّ يُصيب، وأن ما يُضمَّد به الجرح قد يدل على من يعين الرائي أو على سبب للسلوان. وذهب بعض المفسرين إلى أن مداواة الجرح في المنام تشير إلى انفراج بعد شدة وإلى إصلاح بعد خلل. ولا يخفى أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الدلالات، وأن النقل عنهم لا يخلو من الزيادة والنقص، فنحن نصف قراءات متداولة ولا نقرر حقائق ثابتة.
ويتغير التأويل بحسب الصورة، فإن كان الجرح صغيراً سطحياً فقد يُقرأ على أنه أذى يسير وكلمة عابرة، وإن كان عميقاً فقد يُقرأ على أنه أمر أثقل في النفس يحتاج إلى وقت. وإن كان الجرح لا ألم فيه ولا دم فقد يُفهم أنه همّ خفيف، وإن كان فيه ألم شديد فقد يوحي بجرح معنوي أعمق. وإن شعر الرائي بالراحة بعد وضع البصل فالمعنى قد يميل إلى الانفراج، وإن زاد الألم فقد يكون الحلم انعكاساً لقلق داخلي لا أكثر. وللدموع في المشهد أثر، فهي تُفهم غالباً على أنها تنفيس يريح الصدر.
وللرجل قد يرتبط الحلم بخلاف مع قريب أو زميل ترك أثراً في نفسه، وبرغبة في إصلاح الأمر بوسائل هادئة دون تصعيد. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه اهتمام بتضميد جراح معنوية في الأسرة، كعتاب قيل في لحظة غضب أو سوء فهم عابر. وللفتاة غير المتزوجة قد يُقال إنه محاولة لتجاوز حزن أو خيبة أمل، وللتاجر قد يُقرأ على أنه سعي إلى تعويض خسارة صغيرة بتدبير متواضع. وهذه كلها احتمالات تأملية لا تُبنى عليها قرارات.
أما الحامل فالأفضل لها ألا تتوقف عند هذا المشهد أو تقلق منه، فالأحلام عند الحامل كثيراً ما تتأثر بالتعب والقلق الطبيعي على الجنين وبالحديث عن الصحة. ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى عند المهتمين أن يُنظر إلى موضع الجرح، فاليد قد ترمز إلى العمل والكسب، والقدم إلى السعي والمسير، والوجه إلى السمعة وحديث الناس. وإن كان الجرح لغير الرائي فقد يتصل الحلم بالشفقة على ذلك الشخص أو بالحرص على مواساته. وكل ذلك من باب التأمل الذي لا يلزم أحداً.
وينبغي أن نقول بوضوح إن هذا تأويل رمزي فقط، وليس نصيحة طبية ولا دعوة إلى وضع شيء على جرح في الواقع. فمن أصيب بجرح حقيقي فعليه أن يعتني به بالطرق السليمة المعروفة ويراجع الطبيب أو المختص عند الحاجة، ولا يعتمد على حلم رآه في منامه. أما المعنى النفسي فيمكن أن يكون تذكيراً بأننا حين نُجرح بكلمة أو موقف نحتاج إلى وقت ورفق مع النفس، وأن الصبر على الألم الصغير مع حسن الظن بالله يخفف الحمل.
ومن الفوائد التأملية أن يتذكر الإنسان أن الجروح المعنوية تلتئم بالكلمة الطيبة والصفح وطول البال أكثر مما تلتئم بالجدال. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى مراجعة الكلام الذي نقوله لمن نحب، فنختاره ليداوي لا ليجرح. وهذا المعنى التربوي يبقى مفيداً سواء صحّ التأويل أم لم يصح، لأنه خير في ذاته ولا يتوقف على صحة رمز.
وفي الختام نقول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يبنى عليه قرار حقيقي في صحة أو مال أو علاقة. فالأولى أن يقابل المرء ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأل الله الشفاء والستر والسكينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس سوى قراءات إنسانية يتداولها الناس، فنأخذ منها العبرة اللطيفة ونترك ما سوى ذلك.
