قد يرى النائم أنه يأكل البصل بكثرة مفرطة، يلتهم الحبة بعد الحبة ولا يشبع، أو يأكل منه أكثر مما يحتمل حتى تضيق نفسه، وهو حلم قد يحدث لمن يحبون البصل ويكثرون منه، وقد يحدث لمن لا علاقة لهم به. وغالباً ما يترك أثراً من الثقل أو الاستغراب عند الاستيقاظ. وقبل أي تأويل نذكّر بأن الأحلام رموز تحتمل أكثر من معنى، وأن ما يُرى فيها لا يتحقق بحذافيره، والتأويل في كل حال ظني يحتمل الخطأ.
والإفراط في الرموز يُقرأ عند بعض المفسرين على أنه زيادة عن الحد في أمر ما، فقد يشير إلى إكثار في الكلام أو الانشغال أو الإنفاق أو الهم. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً يعقبه فرج، وكلمة حادة، وأمور مستورة تنكشف. فالإكثار من أكل البصل قد يوحي بالإكثار من أمر فيه حدة، كالمجادلة أو كثرة الهم أو الانشغال بما يتعب، وقد يوحي بأن الرائي غارق في جهد معيشي أكثر مما ينبغي. وهذه قراءات عامة لا تُجزم.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الإكثار من الطعام في المنام قد يدل على حرص أو شره في أمر من أمور الدنيا، وأن الإكثار من مرّه قد يدل على كثرة هموم. وذهب بعض المفسرين إلى أن الشبع في الحلم قد يدل على كفاية وقناعة، وأن التخمة قد تدل على إسراف أو ثقل في الحال. ولا بد من الإشارة إلى أن أهل التعبير تنوعت أقوالهم تنوعاً كبيراً، وأن النقل عنهم لا يخلو من اضطراب، فنحن نصف قراءات ولا نقرر حقائق.
ويتغير المعنى بتغير الصورة، فإن كان الرائي يأكل بلذة وشبع فقد يُقرأ ذلك على رضا بالرزق البسيط، وإن كان يأكل وهو متألم فقد يُقرأ على إسراف يضره. وإن أكل نيئاً فالحدة أشد، وإن أكل مطبوخاً فالحدة ألطف. وإن بكى كثيراً من شدة الحرارة فقد يكون الحلم تعبيراً عن همّ مكبوت. وكمية البصل الهائلة قد تعكس شعوراً بأن الأعباء تتراكم، وهي صورة يستخدمها العقل ليعبر عن الإنهاك لا عن الغيب.
وللرجل قد يرتبط الحلم بالانغماس الزائد في العمل أو التفكير في المال، ولعل فيه دعوة إلى الاعتدال وإعطاء النفس حقها من الراحة. وللتاجر قد يشير إلى إسراف في المخاطرة أو الإكثار من الأصناف أو الالتزامات، فيحسن به أن يزن أموره بميزان الاعتدال. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه إكثار من تحمل الأعباء دون طلب عون، وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى كثرة تفكير أو كلام في أمر واحد. أما الحامل فقد تكون أحلامها بالنهم والإكثار من الطعام مرتبطة بتغير الشهية الطبيعي في الحمل.
ومن التفاصيل التي قد يلتفت إليها المتأملون أن يُنظر إلى حال الرائي بعد الأكل، فإن ارتاح فقد يُقرأ على زوال الهم بعد تجرع حدته، وإن ازداد ضيقاً فقد يُقرأ على أن ما أكثر منه يضره. ويُنظر إلى المائدة، فإن كان عليها غير البصل فالإفراط في صنف واحد قد يُقرأ على تعلق بأمر واحد دون غيره. ويُنظر إلى الشخص الذي يشاركه، فإن نبّهه أحد فقد يكون ذلك تنبيهاً من الأهل. وهذه أمور للتأمل فقط.
وعلى المستوى النفسي والعملي قد يكون الحلم تذكيراً لطيفاً بأن الاعتدال أصل في كل شيء، وأن الشيء النافع قد يضر إذا زاد عن حده. فنحن نحتاج أن نعتدل في الكلام والطعام والإنفاق والعمل والهم والفرح، وهذا من حكمة العيش. وقد يدعونا إلى مراجعة ما نكثر منه في حياتنا ونحن نظنه خفيفاً، كالجدال أو متابعة الأخبار المقلقة أو لوم النفس. فالتخفيف من الإفراط راحة، وفي القناعة والاعتدال بركة.
ولا بأس أن نتذكر هنا أن الجسد قد يكون هو صاحب الرسالة، فإن كان الرائي أكثر من الطعام الثقيل في عشائه فقد يكون الحلم أثراً لذلك. وفي هذه الحال فالنصيحة العملية أن يخفف عشاءه وينام باكراً، وليس في هذا غيب. وهذه من أبسط التفسيرات وأقربها للواقع، وقد تكون كافية لمن أراد الراحة من التفكير الزائد.
ويحسن بمن يرى هذا الحلم أن يتذكر أن الكثرة في المنام قد تكون لغة العقل للتعبير عن الشعور بالإنهاك، كما يقول الناس بلسان الحال إنني شبعت من كثرة المشاغل. فإذا كان هذا شعوره فالأولى أن يمنح نفسه إجازة قصيرة من الالتزامات، وأن يقلل من المنبهات قبل النوم، وأن يختار لنفسه أوقاتاً هادئة. وبذلك يخف الحلم وحده، ويكون التفسير الأقرب هو العناية بالنفس لا البحث عن الغيب.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصلح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في حمية أو مال أو عمل. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الاعتدال والعافية والبركة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية تحتمل الخطأ.
