يرى بعض الناس في منامهم البصل المخلل، تلك الشرائح أو الحبات التي نقعت في الخل أو الماء المملح حتى اكتسبت مذاقاً حامضاً مميزاً وصارت رفيق الموائد البسيطة في كثير من البيوت. وهذا الحلم مألوف عند من يألفون هذا الصنف على موائدهم، وقد يأتي بعد وجبة أو حديث عن المخللات دون أن يكون وراءه معنى خاص. ولكن لأن الناس يتأملون صور المنام فسنذكر ما قيل في مثل ذلك بحذر، مع التأكيد على أن التفسير رمزي ظني لا يُؤخذ حرفياً.
وفي ما تناوله المفسرون يرتبط البصل بالرزق المتواضع الذي يصحبه عناء، وبالدموع والضيق يعقبهما انفراج، وبالكلمة الحادة. أما التخليل فمعناه الحفظ والتأني وترك الشيء حتى يتغير طعمه مع الوقت، ولذلك قد تُقرأ صورته على أنها أمر محفوظ مدخر أو شأن قديم مضى عليه وقت. فالبصل المخلل قد يوحي بمال أو خبر أو أمر أُخّر وصار يحتاج إلى صبر حتى تظهر نتيجته، وهذه قراءة رمزية لا أكثر، وقد لا يكون لها أصل في حياة الرائي.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الحامض والمخلل قد يدل على أمر فيه غمّ أو ثقل، وأن ما يُدّخر من الطعام قد يدل على مال محفوظ أو معيشة مدخرة. وذهب بعض المفسرين إلى أن المخلل خاصة يشير إلى منفعة مع شيء من الكدر، فلا هو صافٍ تماماً ولا هو ضار. واختلف المفسرون في هذه الدلالات اختلافاً ظاهراً، فنحن ننقل ما تداوله بعضهم على سبيل الحكاية، ولا نقطع بأن شيئاً منه صحيح.
ويتغير التأويل بتغير الصورة، فالبصل المخلل الأحمر قد يُقرأ على غير ما يُقرأ به الأبيض، والمقرمش الطازج على غير ما يُقرأ به الرخو الذابل. وإن كان الرائي يتناوله بشهية ويستطيبه فالأقرب أنه يرضى بما في يده من رزق بسيط، وإن كان يتقزز منه فقد يشعر بكره لأمر يُفرض عليه. وكثرته قد تُقرأ كثرة أمور قديمة تشغله، وقلته قد تُقرأ كأمر محدود. وللدموع إن حضرت في الحلم أثر معروف، فهي علامة تنفيس أكثر من كونها دليل شر.
وللرجل قد يرتبط الحلم بمال مدخر أو مشروع مؤجل أو علاقة قديمة يعود إليها، وللتاجر قد يشير إلى بضاعة راكدة أو صفقة تحتاج إلى وقت. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بتدبير المنزل والادخار والحفظ للأيام القادمة، فهي معروفة بأنها تحفظ للبيت حاجاته. وللفتاة غير المتزوجة قد يقرأ على أنه انتظار طويل لأمر تأمل فيه، ومعناه الصبر. أما الحامل فقد يكون الحلم عندها من آثار الوحم والرغبة في الأطعمة الحامضة، وهو أمر طبيعي لا دلالة فيه.
ومن التفاصيل التي قد يلتفت إليها بعضهم أن يُنظر إلى الإناء الذي فيه المخلل، فإن كان زجاجاً صافياً وُصف الأمر بالوضوح، وإن كان وعاءً معتماً وُصف بالخفاء. ويُنظر إلى المائدة التي يُقدَّم عليها، فإن كانت عامرة فهو إشارة إلى جانب من الكفاية، وإن كانت بسيطة فهو إشارة إلى القناعة. وإن شمّ الرائي رائحة الخل قوية فقد يُقال إن في الأمر حدّة، وكل ذلك للاستئناس والتأمل لا للحكم.
أما من الجهة النفسية والعملية فيمكن أن يحمل الحلم تذكيراً بأن بعض الأمور الجيدة تحتاج إلى وقت وصبر كما يحتاج المخلل إلى أيام ليكتمل طعمه، وأن الاستعجال لا يصنع نضجاً. كما قد يذكّر بأن ما نختزنه في صدورنا من كلام أو مشاعر قديمة قد يتحول مع الأيام إلى حموضة، فالأولى أن نعالجه بالصفح والكلام الطيب. وفي القناعة بالقليل المبارك راحة، وفي حسن الظن بالله طمأنينة لا تعدلها كثرة المال.
وقد يجد الإنسان في هذا الحلم ما يبعث على الابتسام، فالموائد البسيطة التي يتصدرها البصل المخلل هي في الذاكرة موائد الأنس والعائلة والوجبات الدافئة. فإن حمل الحلم بعض هذا الدفء فخير، وإن لم يحمل فلا بأس. وليس كل حلم يحتاج إلى تفسير، فكثير من الصور تمرّ بنا كما تمر الغيوم ولا تترك إلا أثراً خفيفاً.
ويضاف إلى ما سبق أن المخلل يُحفظ عادة في موسم الوفرة ليُؤكل في موسم القلة، فقد يستحضر الحلم عند بعض الناس معنى التدبير والاستعداد للأيام القادمة. ومن كان في فترة يفكر فيها في مستقبل أسرته وماله فربما انعكس ذلك في صورة الطعام المحفوظ. وهذه قراءة هادئة ترجع إلى ما في نفس الرائي من تفكير، لا إلى غيب مكشوف، والأمر كله يظل في دائرة الظن والتأمل.
وفي الختام فإن التعبير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يبنى عليه قرار حقيقي في مال أو زواج أو عمل. فالأحرى أن يقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله وسؤاله الخير والتيسير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قلناه ليس إلا تأملات في رموز يتداولها الناس.
