ليس غريباً أن تحلم المرأة الحامل بأشياء من مطبخها وطعامها، فالحمل يجعل الطعام والروائح والمذاقات حاضرة في ذهنها ليلاً ونهاراً. ولذلك قد تستيقظ إحداهنّ بعد أن رأت بصلاً في منامها وتتساءل عن دلالة ذلك. وهذه رؤيا شائعة بحكم قرب البصل من الحياة اليومية، ولا ينبغي أن تُحمَّل أكثر من حجمها. ويجب أن يُفهم أن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه لا علاقة له بصحة الحمل ولا بما سيكون عليه الجنين. هو مجرد قراءة محتملة تُذكر على سبيل التأمل، لا على سبيل الإخبار.
يذكر بعض المفسرين أن البصل في المنام يشير في الأصل إلى رزق بسيط فيه شيء من الكدّ، أو إلى دموع تعقبها راحة، أو إلى كلام حاد يمرّ ولا يبقى. ويرى آخرون في طبقاته معنى الأمور الخفية التي تنكشف تدريجياً، فهو لا يُعطي لبّه إلا لمن صبر على تقشيره. وللمرأة الحامل قد يقرب هذا المعنى من فكرة الصبر الطويل في انتظار ثمرة مرجوّة. غير أن هذه المعاني ليست أحكاماً، وإنما هي ما استحسنه بعض المعبّرين من ربط الرموز بمعانيها الظاهرة. ولا يلزم أن تأخذ بها الحامل ولا أن تقلق منها.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتداوله بعض كتب التعبير المنسوبة إليه، أن البصل يدل على مال أو رزق فيه نصب وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام يؤذي أو إلى هم عارض يعقبه فرج. إلا أن المفسرين اختلفوا في ذلك، فمنهم من خفف الأمر ومنهم من شدده، ومنهم من لم يجد فيه سوى معنى القوت المعتاد. ونحن نصف القراءات كما نُقلت دون تبنٍّ لها، ولا نقول إن شيئاً منها يقع حتماً. ثم إن نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها قد يعتريها ما يعتري أخبار الكتب القديمة من خلاف.
ومما يغيّر المعنى عند من يهتم بالتفاصيل حال البصل ولونه وكيفية ظهوره. فبصل طازج نظيف قد يُحمل على معنى أيسر من بصل ذابل متعفن، والمطبوخ الذي استوى قد يُحمل على سكون بعد حدّة. وإن شعرت الحامل بالراحة أثناء الرؤيا أو رأت البصل على مائدة عامرة، فقد يُقرأ ذلك استبشاراً عند بعضهم، وإن انزعجت من رائحته فقد يُقرأ انشغالاً بالمعاش. وللدموع في الحلم اعتبار عند بعض المفسرين، فإن بكت وارتاحت فهذا أخفّ ممن بكت وضاقت. ويبقى إحساس الرائية أقوى دلالة من ظاهر الصورة.
وللمرأة الحامل خصوصاً، يقول بعض أهل التعبير إن رؤية البصل قد تكون صدى لانشغالها بتجهيزات الولادة والنفقات القادمة، فهي تفكر فيما يلزمها وما يتوفر لها. وقد تكون كذلك انعكاساً لتقلبات المزاج والحساسية الزائدة التي تصاحب الحمل، فالدمع قريب والمشاعر متحركة. ويرى فريق من الباحثين النفسيين أن الأحلام في فترة الحمل تتأثر بالتغيرات الجسدية وبالتفكير المتكرر في الطعام والروائح. ولذلك فمن الأنسب أن تنظر الحامل في الرؤيا بوصفها من ضغط الأيام، لا بوصفها خبراً عن حملها أو مولودها.
وهناك دقائق أخرى قد يلتفت إليها بعضهم، كأن تكون الحامل هي من تقشّر البصل أو أن يقشّره لها زوجها أو أمها، فيُقرأ ذلك على سبيل التعاون والسند في أمر الحمل. وإن كانت تشمّه ولا تحتمله فقد يُفهم عند بعضهم تململاً عارضاً، وإن أكلته دون ضيق فقد يُنظر فيه رضا بالقليل. وكذلك البصل الأخضر الغضّ قد يُذكر عند بعضهم مع الخفة واللين، والجاف مع الشدة والجفاف. وكل ذلك اجتهاد لا يرقى إلى اليقين، ويختلف فيه الناس اختلافاً بيّناً.
وعلى الصعيد العملي والنفسي، فإن أجمل ما تتخذه الحامل من هذه الرؤيا أن تهتم براحتها وهدوئها، وأن تتذكر أن التعب الصغير يمرّ كما تمرّ دمعة العين. وأن تنتقي كلماتها مع من حولها بلطف، وأن تطلب العون ممن يحبها حين تحتاجه دون حرج. ويفيدها كثيراً أن تحافظ على النوم الهانئ وأن تتجنب كثرة التفكير في الأحلام، وأن تستشير الطبيب في أمور الصحة وحدها. فالأحلام لا تخبرها شيئاً عن حالها الجسدي، والمتابعة الطبية هي الطريق في ذلك.
ويحسن أن تتذكر الحامل أن الأحلام في هذه الفترة كثيرة وملوّنة عند أغلب النساء، وأن هذا من طبيعة التحولات التي يمرّ بها الجسد والنفس معاً. فلا تحاسب نفسها على كل صورة تراها، ولا تبحث في كل منام عن رسالة خفية. ويكفيها أن تسترخي وتتغذى جيداً وتحيط نفسها بمن يحبها ويطمئنها، وأن تترك التأويل لوقت فراغ هادئ إن شاءت. فإن راحة قلبها أنفع لها ولطفلها من كل تفسير.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، وليس مصدراً يُبنى عليه قرار حقيقي أو يُستدل به على حمل أو ولادة. فلتطمئن الحامل ولتكثر من الدعاء لنفسها ولجنينها، ولتحسن الظن بربها الكريم. وعلم الغيب لله وحده، فهو الذي يعلم ما في الأرحام وما في الغد، ولا يعلمه سواه. وما كتبناه ليس إلا قراءات إنسانية قد تحتمل الخطأ، فلا تجعل منها سبباً للخوف.
