يشتكي بعض الناس من أن حلم البصل يتكرر عليهم مراراً، فيرونه في ليالٍ متفرقة بصور متشابهة أو مختلفة، فيتساءلون عن سر هذا التكرار وهل له معنى خاص. وهذا الأمر ليس غريباً في عالم الأحلام، فالعقل كثيراً ما يعيد الصور التي ارتبطت بشعور أو فكرة لم تُحسم بعد. وسنذكر ما قيل في ذلك بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، وتكرار الحلم لا يجعله أصدق ولا أخطر، والتأويل مهما قيل فيه يبقى ظنياً.
وأول ما يُنظر إليه عند تكرار الحلم هو علاقة الرائي بالصنف في يقظته، فمن يعمل في الطبخ أو يتعامل مع الأسواق أو يعيش في بيت يكثر فيه البصل قد يتكرر عنده الحلم لهذا السبب وحده. فالأحلام تتغذى من الخبرات اليومية والروائح والمشاهد، ومن شمّ البصل كل يوم قد يحلم به كل ليلة دون دلالة. وهذا من أقرب التفسيرات إلى الواقع، وكثيراً ما يغني عن التأويلات الرمزية البعيدة، فلا يُلجأ إليها إلا إذا لم يوجد تفسير بسيط.
وأما من الناحية الرمزية فقد ذكر المفسرون في البصل أنه رزق متواضع مع عناء، وضيق ودموع يعقبهما فرج، وكلمة حادة، وأمور مستورة تنكشف. فإذا تكرر الحلم عند شخص لا صلة له بالبصل في يقظته فقد يُقرأ ذلك على أنه انشغال متواصل بإحدى هذه الدلالات، كهمّ معيشي أو كلام ثقيل أو أمر خفي يشغل باله. وهذا مجرد استئناس لا يصح أن يتحول إلى حكم، ولا يعني أن شيئاً سيقع.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الرؤيا إذا تكررت قد تكون أقرب إلى حديث النفس وما يشغل صاحبها في يقظته، وأن ما يتكرر قد يتعلق بأمر مهم عند الرائي. وذهب بعض المفسرين إلى أن تكرار الرؤيا قد يكون تأكيداً لمعنى ما، بينما رأى آخرون أنه من أضغاث الأحلام التي لا تعبير لها. ولا يخفى أن أهل التعبير اختلفوا في هذا، ولا نقطع بصحة ما يُنقل، فنحن نصف قراءات متداولة لا حقائق ثابتة.
ويتغير المعنى بتغير شكل التكرار، فإن كان الحلم يأتي في الصورة نفسها كل مرة فقد يُقرأ على أنه رسالة نفسية مرتبطة بشعور محدد، وإن كان يأتي بصور مختلفة فقد يكون العقل يعالج موضوعاً واحداً من زوايا مختلفة. وإن كان في كل مرة يصحبه شعور بالارتياح فلا داعي للقلق، وإن كان يصحبه انزعاج فقد يستحق أن يتأمل الإنسان ما يضغط عليه. وللدموع إن تكررت في الحلم أثر، فهي قد تعني حاجة إلى تفريغ المشاعر.
وللرجل قد يرتبط تكرار الحلم بهمّ مستمر في عمله أو أسرته، وللتاجر بتفكير متواصل في حساباته. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بكثرة انشغالها بالبيت، وللفتاة غير المتزوجة بكثرة التفكير في أمر ينتظرها. وللحامل بتغيرات الجسم والحواس التي تستدعي صوراً طعامية متكررة. وفي كل الأحوال فإن من يلاحظ التكرار يستفيد من كتابة ما يعيشه في أيامه، فربما ظهر له ارتباط بسيط بين الحلم وأحداث معينة، وهو أنفع من التخمين.
ومن التفاصيل التي يستأنس بها بعض المتأملين أن يُنظر إلى وقت التكرار، فإن كان بعد وجبات معينة فالتفسير جسدي، وإن كان بعد مواقف معينة فالتفسير نفسي. ويُنظر كذلك إلى مدة التكرار، فإن كان أياماً ثم انقطع فهو عابر، وإن طال شهوراً فربما استحق مراجعة نمط النوم والتفكير. وهذه كلها ملاحظات عملية أكثر منها رموزاً غيبية، وهي أقرب ما يمكن أن ينتفع به الإنسان في هذا الباب.
وعلى المستوى النفسي والعملي ينصح بأن يهتم الإنسان بجودة نومه، فيقلل من المنبهات والشاشات قبل النوم، ويتجنب الأكل الثقيل في آخر الليل، ويحرص على أذكار النوم والوضوء إن استطاع. فهذه الأمور تهدئ النفس وتخفف كثرة الأحلام المزعجة. وإن كان التكرار مصحوباً بقلق شديد أو اضطراب في النوم فليستشر طبيباً أو مختصاً، فهذا من الأخذ بالأسباب، ولا يجوز أن يُترك الأمر لتأويل الأحلام وحده.
وربما كان أجمل ما يفعله من تتكرر عليه الأحلام أن يحوّلها إلى فرصة للتأمل الهادئ، فيجلس بعد الفجر أو قبل النوم لحظات يشكر فيها الله على نعمه ويفرّغ ما في صدره بالدعاء. فمثل هذه العادة تخفف ضغط الأفكار وتجعل النوم أصفى. وإن لم يخفّ التكرار فلا بأس، فليس في الأحلام ضرر بذاتها، والمهم أن يستيقظ الإنسان ويؤدي واجبه ويعيش يومه مطمئناً راضياً بقضاء الله.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لأي قرار حقيقي مهما تكرر الحلم. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله راحة البال والنوم الهادئ. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية قابلة للصواب والخطأ.
