من الأحلام الطريفة أن يرى الإنسان البصل وقد استُعمل فيها كأنه علاج يُراد به الشفاء من أمر ما، وقد يكون ذلك في صورة وصفة تقليدية تذكّره بما كانت تفعله الجدّات في البيوت القديمة. وهذا المشهد يرتبط في الغالب بالذاكرة والتجارب العائلية أكثر من ارتباطه بشيء غيبي، فكثير من الأحلام تستمد مادتها من الحكايات التي سمعناها في الصغر. ومع ذلك يتناول المفسرون مثل هذه المشاهد رمزياً، والتأويل يبقى ظنياً ولا يؤخذ على أنه حقيقة حرفية.
والبصل في التعبير عند المفسرين قد يُشار به إلى رزق بسيط فيه كد، وإلى دموع وضيق يعقبهما صفاء، وإلى قول حاد، وإلى مستور يتكشف. أما العلاج في الرؤيا فيُقال إنه صورة لطلب الراحة والخروج من حال ثقيلة، أو لمحاولة إصلاح أمر مختل في الحياة. فاجتماع البصل والعلاج في الحلم قد يُقرأ على أنه سعي إلى تجاوز ضيق بوسيلة بسيطة متاحة، لا تحتاج إلى كثير من التكلف، وهذه قراءة رمزية عامة لا تعني وصفاً لأي علاج في الواقع.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الدواء في المنام قد يدل على زوال همّ أو على خروج من شدة، وأن الطعام البسيط قد يدل على معاش قليل لكنه كافٍ. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يُتخذ من الأطعمة دواءً في الحلم قد يشير إلى معاش يصلح به حال الرائي، وقالوا في البصل بخاصة إنه مال فيه مشقة. وقد اختلف المفسرون في مثل هذا اختلافاً كبيراً، فما نذكره هنا قراءات متداولة تُنقل على سبيل الحكاية والتأمل لا على سبيل القطع.
ويتغير المعنى بتغير السياق، فإن كان البصل نيئاً طازجاً فقد يُقال إن العلاج بسيط وسريع الأثر، وإن كان مطبوخاً أو ذابلاً فقد يُقرأ على أنه أمر يحتاج إلى وقت وصبر. ومشاعر الرائي مهمة جداً، فإن شعر بالارتياح أثناء الحلم فالأقرب أنه يتطلع إلى انفراج، وإن شعر بالتردد أو الشك فقد يكون الحلم انعكاساً لقلق داخلي حول مسألة ما. ولو بكى فالدموع قد تُفهم على أنها تنفيس عن ضيق مكبوت وليست علامة سوء.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى بحث عن حل بسيط لمشكلة في عمله أو أسرته، دون الحاجة إلى تعقيد أو إنفاق كبير. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى حرصها على أهل بيتها واهتمامها براحتهم، فهي في المنام كمن يجمع من أدوات البيت ما يعين أحبابها. والفتاة قد تقرأ فيه رغبة في الخروج من حال حزن أو تشتت، والتاجر قد يقرأ فيه حاجة إلى إصلاح تدريجي في أعماله بوسائل متواضعة.
ومن التفاصيل التي يذكرها بعض المتأملين أن يُنظر إلى من يعالج في الحلم، فإن كان الرائي نفسه فالأمر قد يتعلق بمبادرته لإصلاح حاله، وإن كان غيره فقد يتعلق باهتمامه بذلك الشخص. وكذلك يُنظر إلى المكان، فالمطبخ قد يرتبط بشؤون البيت، والمجلس بشؤون الناس والعلاقات. وكل هذه من باب التأمل الرمزي الذي لا يُلزم أحداً بشيء، ولا يصح أن يتحول إلى حكم قاطع على مجريات الحياة.
وهنا لا بد من تنبيه واضح، فهذا الحلم تأويل رمزي لا غير، وليس وصفة ولا نصيحة طبية، ولا ينبغي لأحد أن يطبق في يقظته علاجاً رآه في منامه أو أن يترك علاجاً وصفه الطبيب بسبب حلم. فمن كان يعاني من مشكلة صحية حقيقية فليذهب إلى الطبيب المختص، ويأخذ بالأسباب المعروفة. أما المعنى النفسي فهو أن النفس قد تبحث في الحلم عن الطمأنينة، وأن الصبر على الصعوبات الصغيرة وحسن الظن بالله يخففان كثيراً من حمل الأيام.
ومما يحسن ذكره أن الأحلام التي تدور حول العلاج والوصفات القديمة كثيراً ما تعكس شوقاً إلى الدفء العائلي والحنان الذي ارتبط في الذاكرة بعناية الأمهات والجدات، فيكون المعنى الأعمق حنيناً لا حكماً على المستقبل. وقد يكون الحلم أيضاً صدى لحديث سمعه الرائي عن مريض في أسرته أو عن تجارب الناس مع الأعشاب والأطعمة. وفي كل الأحوال فإن الاحتياط الأسلم أن يجعل الإنسان الأحلام للتأمل والعبرة وحدها، وأن يرجع في أمور جسده إلى أهل الاختصاص، وأن يدعو الله بالشفاء والعافية لمن يحب.
وخلاصة الأمر أن تعبير الأحلام اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يجوز أن يكون أساساً لقرار حقيقي في الصحة أو غيرها. فمن رأى مثل هذا الحلم فليقابله بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأل الله العافية له ولأحبابه. والغيب علمه عند الله وحده، وما عندنا إلا تأملات إنسانية نأخذ منها ما يفيد ونترك ما سواه بسلام.
