البصل المتعفن في المنام مشهد منفّر قليلاً، فقد يرى النائم بصلات لينة سوداء البقع تفوح منها رائحة كريهة، أو يفتح كيساً قديماً فيجد داخله بصلاً قد فسد وسال ماؤه. وهو من الأحلام التي تترك أثراً في النفس عند الاستيقاظ لما فيها من اشمئزاز، وقد تأتي من رائحة حقيقية أو من تذكر خضار فسدت في البيت. وللفساد في الرموز معنى خاص عند المعبرين. ونذكّر بأن ما يلي رمزي لا حرفي، ولا ينبغي أن يُقلق أحداً.
التعفن هو نهاية ما أُهمل حتى فسد، فالبصل الذي يُحفظ جيداً يبقى شهوراً، والذي يُترك في الرطوبة يتلف سريعاً. ولذلك قال بعض الشراح إن البصل المتعفن في المنام قد يشير إلى أمر أُهمل ولم يُعتنَ به فتدهور، أو إلى رزق ضاع بسبب التفريط. ويرى آخرون أنه قد يدل على كلام فاسد أو خبر غير طيب يُتداول. ويذكر بعضهم أن الحلم قد يكون تنبيهاً لطيفاً إلى مراجعة ما أُهمل. وهذه كلها احتمالات تُسرد للتأمل ولا تُعد أحكاماً مؤكدة.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن البصل يدل على مال قليل مع هم، ويستنبط بعض الشراح اللاحقين أن فساده قد يزيد من الكدر أو يشير إلى ضياع ما كان يُرجى منه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأطعمة الفاسدة في المنام قد تدل على مال غير طيب أو على أمر تغيّر حاله، وإن كانت الأقوال تتفاوت بين الكتب. ولا نجزم بنسبة هذه الأقوال ولا بدقتها، فقد اختلف المفسرون، ونحن نصف المتداول ونحذر من تحميله فوق معناه.
وتتغير الدلالة بحسب درجة التعفن وسياقه، فالبصلة الواحدة الفاسدة بين حبات سليمة غير الكيس الكامل الفاسد. وهل كان الفساد بدايةً وقابلاً للفرز، أم تاماً لا يُرجى معه شيء، وهل تخلص منه النائم أم تركه. وهل شعر بالاشمئزاز أم بالأسف، وهل كان البصل له أم لغيره. فالتخلص من الفاسد وتنظيف المكان يُقرأ عند بعضهم على إزالة همٍّ أو إصلاح أمر، وهذا تفصيل يغيّر الصورة كثيراً.
وللرجل الذي يرى البصل المتعفن، قد يقرأ بعضهم أنه ينبغي له أن ينتبه إلى أمر في عمله أو ماله أهمله فترة، وأن يعتني به قبل أن يتفاقم. وللتاجر قد يشير الحلم إلى بضاعة راكدة تحتاج إلى تصريف أو تفقد. ولمن عنده مخزن فقد يكون الحلم تنبيهاً عملياً بسيطاً لمراجعته. وكل ذلك ظنّ لا يزيد على التنبيه الخفيف، وليس إخباراً عن خسارة محققة.
وللمرأة التي ترى البصل المتعفن، قد يُقرأ الحلم على أنه تنبيه إلى تفقد ما في بيتها من مؤن أو إلى علاقة تحتاج إلى عناية قبل أن تفتر. وللحامل قد يكون الحلم مرتبطاً بحساسية الحمل تجاه الروائح الكريهة، وهو تفسير جسدي واضح لا يحتاج إلى رمز. وللفتاة العزباء قد يشير عند بعضهم إلى ضرورة الابتعاد عن مجلس أو كلام لا خير فيه. وهذه كلها تأويلات خفيفة تحتمل الخطأ ولا يُبنى عليها قرار.
ومن الدقائق التي يلتفت لها المعبرون: لون العفن، أسود أم أخضر أم أبيض زغبي، ورائحته وملمسه، وهل كان البصل يسيل ماؤه. وهل كانت الحشرات أو الذباب حول البصل، فقد يرى بعضهم في ذلك إيحاء بأمر يتجمع حوله ما لا خير فيه. وهل نظّف النائم المكان وغسل يديه بعد ذلك، فهذا يُقرأ عند بعضهم على أنه نجاة وتصحيح. وهل كان في المكان رطوبة أو ظلام. تفصيلات تتنوع بها الرؤى.
ومن زاوية أخرى، لا ينبغي المبالغة في التشاؤم من هذه الرؤيا، فكثيراً ما يكون مصدرها بسيطاً: خضار نسيها صاحبها أو رائحة شمّها أو ذكرى عن مخزن قديم. وقد تعبّر عن مشاعر الإهمال تجاه أمر شخصي كراحة أو صحة أو علاقة. وفي هذه الحالة يكون أفضل رد هو أخذ الإشارة بلطف: ترتيب ما يحتاج ترتيباً وتفقد ما نُسي. وهذا ما يفعله العاقل سواء رأى حلماً أو لم يرَ.
وعلى المستوى العملي والنفسي، يدعو الحلم إلى الاعتناء بما بين اليدين قبل أن يفسد، وإلى عدم تأجيل الأمور الصغيرة حتى تكبر. ويذكّر بأن الكلام الطيب والمعاملة الحسنة تحتاج إلى رعاية مستمرة كي لا تتعفن العلاقات بالإهمال. كما يشجع على التخلص من الأفكار والعادات الفاسدة بدل الاحتفاظ بها. ومن أخذ هذه المعاني الإيجابية من حلمه حوّل الحلم المنفّر إلى فائدة حقيقية.
وفي الختام نقول إن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، فلا يُبنى عليه قرار في مال أو تجارة أو زواج أو سفر، ولا يُنتظر منه شر ولا خير بعينه. وعلى من رأى المنام أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، وأن يأخذ بالأسباب ويتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما يقوله المفسرون تخمين بشري قد يصيب وقد يخطئ، والله أعلم بالصواب.
