قد يرى النائم أن البصل يظهر في حلمه علامة على رزق بسيط، فيراه على مائدة متواضعة مع الخبز، أو في سلة فقير راضٍ، أو في بيت قليل الموارد لكنه عامر بالأنس، وكأن الحلم يقول إن في القليل خيراً. وهذا من أقرب الأحلام إلى المعنى الشائع للبصل عند الناس، فهو طعام الفقراء والأغنياء على حد سواء، يحضر في كل مطبخ. وسنذكر ما قيل في تأويله بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني ولا يُؤخذ على أنه حكم على الغنى أو الفقر.
والرزق البسيط في الرموز يُقرأ عند المفسرين على أنه كفاية وقناعة، وقد يُقرأ على أن صاحبه سيعيش حياة متواضعة لا تخلو من بركة. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً ودموعاً يعقبهما فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فجمع البصل والرزق البسيط يعبّر عن أصل المعنى المتداول، أي أن الأمر قد يكون قليل المال لكنه كافٍ، وقد يكون فيه شيء من الكد، وقد يكون فيه ستر ورضا. وهذه قراءة عامة لا يُجزم بها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن البصل مال فيه عناء ولا يخلو من نفع، وأن ما قلّ من الطعام وكفى قد يدل على معاش يسير ورضا. وذهب بعض المفسرين إلى أن الاقتصار على الطعام البسيط في الحلم قد يدل على قناعة وزهد، وأن الشبع منه قد يدل على كفاية. وقد اختلف أهل التعبير في هذا كثيراً، ولا نقطع بصحة نسبة كل ما يُروى إلى قائله، فنحن نصف قراءات تُتداول بين الناس ولا نذكر وقائع ثابتة.
ويتغير المعنى بتغير الصورة، فإن كان الرائي راضياً شاكراً أمام المائدة المتواضعة فالأقرب أن المعنى يميل إلى القناعة والبركة، وإن كان متبرماً متحسراً فقد يعكس شعوراً بالنقص أو مقارنة بالآخرين. وإن كانت المائدة نظيفة مرتبة فقد يُقرأ على أن الأمر على بساطته مستقيم، وإن كانت مهملة فقد يُقرأ على إهمال. وكثرة الجالسين حولها قد تُقرأ على أنس وبركة، وقلتهم على قلة أو وحدة. ودموع الرائي، إن حضرت، تنفيس لا شؤم.
وللرجل قد يرتبط الحلم بتقدير نعمة الكفاية والعمل الشريف مهما كان بسيطاً، وللتاجر قد يشير إلى مكسب محدود يستمر ويبارك فيه. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه حسن تدبيرها وقدرتها على جعل القليل كثيراً بالبركة والحكمة، وهي من أجمل صفات ربات البيوت. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى زهد في المظاهر وقناعة بالقليل حتى يأتي الخير. أما الحامل فقد يكون الحلم عندها تعبيراً عن حاجتها إلى الطمأنينة في الرزق والأمان المعيشي.
ومن التفاصيل التي قد يلتفت إليها بعض المتأملين أن يُنظر إلى ما يرافق البصل على المائدة، فالخبز والزيتون والعدس قد تُقرأ على بساطة أصيلة، والفاكهة والحلوى قد تُقرأ على بسط في الرزق. ويُنظر إلى مكان المائدة، فالبيت يوحي بالاستقرار، والطريق أو السفر يوحيان بتنقل. ويُنظر كذلك إلى من يشاركه الطعام، فالأهل أنس، والفقراء كرم. وكلها استئناسات تأملية لا تقوم عليها أحكام.
وعلى المستوى النفسي والعملي قد يكون الحلم رسالة لطيفة إلى القلب أن السعادة لا ترتبط بكثرة ما نملك بل بحسن ما نقدّره، وأن كثيراً من الأغنياء يشتكون بينما يبتسم بعض البسطاء. وقد يذكّرنا بأن الرزق مقسوم بحكمة، وأن علينا أن نسعى ونحسن الظن ونشكر. وفي مقارنة النفس بمن هو أقل منا في الدنيا ما يبعث على الشكر، وفي مقارنتها بمن هو أفضل منا في الطاعة ما يبعث على الاجتهاد. وبهذا الميزان تهدأ النفس.
ولا بأس أن نتذكر أن القناعة لا تعني ترك السعي، فهي رضا بالقسمة مع بذل الجهد المشروع، وليست كسلاً. وأحياناً يأتي الحلم لينفي عن الإنسان ثقل المقارنة المستمرة بغيره، ويعيده إلى ذاته وإلى ما بين يديه من نعم. وهذا المعنى الهادئ مفيد في كل زمان، حتى لو لم يكن للحلم تأويل غيبي.
ومن لطائف هذا الباب أن البصل في كثير من الثقافات يُوصف بأنه رفيق البسطاء الذي لا يغيب عن مائدة، وقد ارتبط في الأذهان بالأكلات الشعبية التي تجمع الناس وتذكّرهم بأيام الألفة. فربما حمل الحلم عند بعضهم حنيناً إلى تلك الأيام التي كان فيها القليل يكفي لأن القلوب كانت عامرة. وهذا الحنين شعور إنساني جميل لا يحتاج إلى تأويل، ويمكن أن يتحول إلى دعوة لإحياء لمة الأسرة على مائدة بسيطة تجمع الأحبة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في المال أو العمل أو غيرهما. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله الرزق الحلال والبركة والقناعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية.
