قد يرى النائم أن في فمه رائحة البصل، فيحس بها وهو يتكلم، أو ينتبه أن من حوله يتأففون منها، أو يحاول إخفاءها بمضغ شيء أو بالسواك دون جدوى. وهذا الحلم يترك عادة شعوراً بالحرج، لأن رائحة الفم من الأمور التي يحرص الناس على حسنها أمام غيرهم. وهو قد يكون صدى لحقيقة حدثت أو لوجبة أكلها الرائي، وقد يكون مجرد قلق اجتماعي. وسنذكر ما قيل في تأويله بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني لا يُؤخذ حرفياً.
والفم في عالم الرموز يرتبط عند المفسرين بالكلام والقول وما يخرج من الإنسان من حديث، فرائحة الفم تُقرأ عندهم على أنها أثر كلام الرائي في السامعين، فالرائحة الطيبة قد تدل على قول حسن وذكر جميل، والكريهة قد تدل على كلام لا يرضي أو غيبة أو لغو. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً يعقبه فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فاجتماع رائحة البصل بالفم يوحي بكلام فيه حدة أو صراحة مفرطة قد يؤثر في من حوله، وهذه قراءة عامة لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن الرائحة الكريهة تخرج من الفم في المنام قد تدل على كلام قبيح أو على ذكر سيئ، وأن الرائحة الطيبة تدل على ثناء. وذهب بعض المفسرين إلى أن البصل بخاصة يدل على قول فيه مرارة أو حدة، ولكنه قد يكون صدقاً نافعاً وإن آلم. ولا بد من التنبيه إلى أن أهل التعبير اختلفوا في هذه الدلالات اختلافاً بيّناً، وأن النقل عنهم قد يحتمل الزيادة والنقص، فنحن نصف قراءات متداولة لا نقطع بصحتها.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كان الرائي لا يشعر بالرائحة وإنما يلاحظ ردود فعل الناس فقد يُقرأ ذلك على قلق من أثر كلامه، وإن كان هو الذي يشمها فقد يعكس وعياً بما يقول. وإن اختفت الرائحة بعد قليل فقد يُقرأ على أن أثر الكلمة عابر، وإن بقيت فقد يعكس انشغالاً بأمر قيل. وإن كان الحاضرون أهلاً وأصدقاء فالأمر قريب منه، وإن كانوا غرباء فهو قلق اجتماعي أعم. ودموع الرائي إن حضرت فهي علامة حرج أو تنفيس.
وللرجل قد يرتبط الحلم بكلام قاله في اجتماع أو مع زوجة أو ولد فيندم عليه، وفيه دعوة إلى لطف العبارة. وللتاجر قد يشير إلى وعود أو عبارات قالها في صفقة ويخشى أثرها، فيحسن به الوفاء والوضوح. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه كلمة قيلت في لحظة غضب مع أهلها أو جيرانها، وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى حرج من كلام قيل في موقف اجتماعي. أما الحامل فقد تتغير رائحة الفم عندها فعلاً أحياناً بسبب تغيرات الحمل، فيكون الحلم صدى لذلك.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى رد فعل الرائي، فإن اعتذر فقد يُقرأ على استعداد للتراجع عن كلمة، وإن تجاهل فقد يُقرأ على لا مبالاة. ويُنظر إلى ما فعله لإزالة الرائحة، فإن استخدم السواك أو غسل فمه فقد يُقرأ على رغبة في إصلاح أثر الكلام بالتطهير والاعتذار. ويُنظر إلى المكان، فالمجلس العام يرتبط بالسمعة، والبيت بالأسرة. وهذه كلها استئناسات لا يُبنى عليها حكم.
وعلى المستوى النفسي والعملي يذكّرنا الحلم بأن الكلام مسؤولية، وأن ما نقوله يترك أثراً في الناس كما تترك الرائحة أثرها في المكان. فالأجدر أن نختار ألفاظنا، ونحفظ ألسنتنا من الغيبة واللغو والتجريح، وأن نقول خيراً أو نصمت. وفي الاعتناء بنظافة الفم والسواك أدب حسن يرضاه الله والناس، وفيه راحة لصاحبه. وقد يكون الحلم دعوة إلى مراجعة ما نقوله في مجالسنا ونحن نظن أنه عابر.
ومن الجميل أن نأخذ من الحلم رقة في التعامل لا قسوة في الحكم على أنفسنا، فكلنا يخطئ في كلامه أحياناً، وباب الاعتذار والتوبة مفتوح. فمن أحس أنه قال ما يؤذي فليبادر باعتذار لطيف، وليجعل من ذلك فرصة للتحسن. وهذا المعنى التربوي لا يتوقف على صحة التأويل، بل هو خير في كل حال.
ولا ننسى أن هذا القلق قد يكون أحياناً مجرد وسواس اجتماعي أو خجل مفرط، وقد يتضخم عند من يهتم كثيراً بانطباع الناس عنه. وفي هذه الحال يكفي أن يذكّر نفسه بأن الناس أكثر تسامحاً مما يتخيل، وأن أحداً لا يخلو من هنات، وأن العبرة بصدق النية وحسن المعاملة.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي أو لاتهام أحد. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله طيب الكلام وحفظ اللسان. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية.
