البصل المنبت في المنام مشهد لافت، فقد يرى النائم بصلات خرجت من رؤوسها سيقان خضراء صغيرة أو بيضاء شاحبة، وهي في الكيس أو على الرف أو في زاوية المطبخ. وهو مشهد يتكرر في البيوت حين يطول تخزين البصل، فقد يأتي الحلم من ملاحظة حقيقية لذلك. وللإنبات في الرموز معنى الحياة التي تدب في الأشياء، ولذلك التفت إليه بعض المعبرين. ونؤكد أن ما يلي رمزي لا حرفي، وأنه يُقدَّم للتأمل لا للجزم بشيء.
الإنبات في ما يذكره بعض الشراح علامة نمو وبداية جديدة، فالبصلة المنبتة لم تمت، بل بدأت دورة حياة أخرى. ولذلك قالوا إن البصل المنبت قد يشير إلى أمر قديم بدأت فيه حركة جديدة، أو إلى رزق خامل تحرك من جديد. ويرى آخرون أنه قد يدل على أمر كان مخزّناً مدة طويلة حان وقت استعماله قبل أن يفوت. وهذه قراءات احتمالية تُسرد على سبيل التأمل، ولا تعني حكماً على أحد بنتيجة معينة في حياته.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن البصل يدل على مال قليل مع هم، ويفهم بعض الشراح اللاحقين أن إنباته قد يعني حركة في هذا المال أو الهم، إما نمواً وإما تغيراً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النبات في المنام يدل عموماً على نماء بحسب حاله، وإن تنوعت أقواله وأقوال غيره. ولا نقطع بنسبة هذه الأقوال ولا بدقتها، فالكتب تتباين والمفسرون اختلفوا، وكل ما نفعله هو وصف لما يُتداول بين الناس.
وتتبدل الدلالة بتبدل حال النبتة، فالنبتة الخضراء النضرة القوية غير الباهتة الضعيفة الملتوية. وهل كان الإنبات خفيفاً في أطراف قليلة أم شاملاً لكل البصل، وهل كانت الحبة ما زالت ممتلئة صلبة أم ذابلة رخوة. وهل شعر النائم بالدهشة أم بالأسف أم بالرضا، فالدهشة الممزوجة بالابتسامة تقرأ على بشرى، والأسف يقرأ على فرصة قاربت الفوات. وهذه التفاصيل تلوّن القراءة تلويناً.
وللرجل الذي يرى البصل المنبت، قد يُقرأ الحلم على أن في حياته أمراً قديماً يوشك أن يتحرك أو يتجدد، كعمل متوقف أو علاقة فاترة أو فكرة أجّلها. وللتاجر قد يشير إلى بضاعة طال تخزينها وتحتاج إلى بيع قبل أن تتلف. ولمن يفكر في مشروع جديد قد يكون الحلم تشجيعاً لطيفاً على البدء. وكل ذلك احتمال لا يلزم أحداً ولا يصلح أساساً لقرار.
وللمرأة التي ترى البصل المنبت، قد يُقرأ الحلم على أنه تجدّد في أمر من أمور بيتها، أو أن شيئاً كانت تظنه انتهى بدأ يعود. وللحامل قد يكون الإنبات صورة طبيعية للحمل والنمو الخفي، وهو معنى نفسي دافئ يلائم الحال ولا يتجاوز الظن. وللفتاة العزباء قد يشير عند بعضهم إلى بداية جديدة في حياتها أو رغبة داخلية في التغيير. وهذه تأويلات لطيفة تحتمل الخطأ، ولا يُعوَّل عليها.
ومن الدقائق التي ينتبه إليها المعبرون: لون النبتة، فالأخضر الزاهي يوحي بحيوية، والأبيض المصفر يوحي بنمو في الظلام والخفاء. وطولها، فالقصيرة توحي ببداية، والطويلة المتعرجة توحي بأمر تأخر العناية به. وهل زرع النائم البصلة المنبتة في الأرض أو في كوب ماء، فذلك يقرأ على استثمار الفرصة بحكمة. وهل أكل الورق الأخضر أو رماه. هذه التفصيلات تنوّع الرؤيا ولا تحسمها بقول واحد.
ومن اللطائف أن كثيراً من الناس يزرعون البصل المنبت في كوب ماء فيكبر بصورة جميلة، وهو مشهد مألوف يبعث الأمل في النفس. ولذلك قد يكون الحلم تعبيراً عن حاجة الرائي إلى شيء صغير حي ينمو في حياته، كهواية جديدة أو علاقة طيبة أو عادة نافعة. وهذه معانٍ نفسية لا تحتاج إلى استنباط من الكتب، ويمكن للإنسان أن يستجيب لها بخطوة بسيطة. والأجمل أن يتحول الحلم إلى فعل صغير مفيد.
وعلى المستوى النفسي والعملي، يدعو الحلم إلى الالتفات إلى الأمور المؤجلة قبل أن تضيع فرصتها، وإلى منح الأفكار القديمة فرصة جديدة. ويذكّر بأن الحياة قد تعود إلى ما ظنناه خاملاً إذا وجد الماء والضوء، وهذا معنى فيه أمل للنفس. كما يشجع على عدم اليأس من الأمور البطيئة. ومن أخذ هذه المعاني من حلمه نال خيراً بغض النظر عن صحة التأويل الرمزي.
وفي الختام نقول إن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، فلا يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو زواج أو سفر. وعلى من رأى المنام أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، وأن يمضي في أسبابه بتوكل وطمأنينة. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما يقوله المفسرون محاولات بشرية للفهم تحتمل الصواب والخطأ، والله أعلم بالصواب.
