البصل في المخزن في المنام مشهد هادئ يغلب عليه الظل والسكون، فقد يرى النائم نفسه يدخل غرفة مظلمة أو قبواً أو مستودعاً فيجد البصل مكدساً على الرفوف أو في الأكياس أو على الأرض. وهو من الأحلام التي ترتبط بالتخزين والادخار، وقد يراها من يفكر في المؤونة أو يملك مخزناً فعلاً أو يحنّ إلى قبو بيت قديم. وللمخزن في الرموز معنى الحفظ والإخفاء والتأجيل. ونؤكد أن ما يلي رمزي لا حرفي، ولا يخبر عن مستقبل مؤكد.
المخزن مكان تُحفظ فيه الأشياء لوقت الحاجة، ولذلك ربطه بعض الشراح بالادخار والاحتياط وما يُحتفظ به لأيام قادمة. فإذا كان المخزون بصلاً، وهو عندهم رمز لرزق بسيط مع كدر خفيف، قالوا إن الحلم قد يشير إلى مؤونة متواضعة مدخرة، أو إلى أمر مؤجل محفوظ يحتاج إلى وقته. ويرى آخرون أن المخزن المظلم قد يرمز إلى أمور مخفية أو أسرار محفوظة، ومن هنا طبقات البصل المستورة. وهذه احتمالات يُقدَّم لها التأمل لا اليقين.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن البصل يدل على مال قليل مع هم، ويستنبط بعض الشراح أن خزنه يدل على مال قليل مدخر وهم مكتوم، أو احتياط لما يأتي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأماكن المغلقة في المنام ترتبط عموماً بالحفظ أو الحبس أو الستر بحسب حال الرائي وسياق الرؤيا. ولا نجزم بنسبة هذه الأقوال ولا بدقتها، فالروايات تتباين والمفسرون اختلفوا، وكل ما نفعله وصف لما يتداوله الناس من قراءات.
وتتغير الدلالة بحسب حال المخزن وما فيه، فالمخزن النظيف الجاف المهوّى غير الرطب الذي تفوح منه رائحة العفن، والبصل السليم المرتب غير المتلف المبعثر. وهل كان المخزن واسعاً أم ضيقاً، وهل كان مفتوحاً للنائم أم مقفلاً عنه، وهل بدا مألوفاً أم غريباً. وهل شعر بالاطمئنان وهو يرى المؤونة، أم بالخوف من العتمة، فهذه المشاعر تقلب القراءة بين الأمان والقلق. وبدون النظر إليها يبقى التأويل ناقصاً.
وللرجل الذي يرى البصل في المخزن، قد يُقرأ الحلم على أنه يدّخر شيئاً لوقت الحاجة، أو أن عنده أمراً مؤجلاً ينبغي أن يلتفت إليه. وللتاجر قد يشير إلى مخزون بضاعة يحتاج إلى تصريف قبل أن يفسد. ولصاحب المخزن الحقيقي قد يكون الحلم انعكاساً لهمّ الجرد والمتابعة. وكل ذلك ظنّ لا يزيد على الاحتمال، ولا يصح أن يتحول إلى قرار في الشراء أو البيع.
وللمرأة التي ترى البصل في المخزن، قد يُقرأ الحلم على أنها تدّخر لأسرتها وتحتاط للأيام، أو أن في بيتها أمراً محفوظاً لم يحن وقته. وللحامل قد يرتبط المعنى بالتجهيز والاحتياطات التي تُرتَّب قبل الولادة، وهو معنى نفسي لطيف يلائم الحال. وللفتاة العزباء قد يشير عند بعضهم إلى جهاز أو تجهيز تُعدّه لنفسها، أو إلى أمر في قلبها تحتفظ به وتكتمه. وهذه تأويلات خفيفة تحتمل الخطأ.
ومن الدقائق التي ينتبه لها المعبرون: كيف رُتّب البصل في المخزن، على رفوف عالية أم على الأرض أم معلقاً في ضفائر. وهل كان مغطى أم مكشوفاً، وهل تدخل إليه الشمس من نافذة أم لا. وهل كان فيه فئران أو حشرات تعبث بالمخزون، فقد يُقرأ ذلك على تنبيه إلى حفظ الأمانات. وهل كان معه مواد أخرى كالبطاطس والثوم والحبوب. وهل فُتح المخزن بمفتاح أو بابه مفتوح أصلاً. تفصيلات تنوّع الرؤى.
ويلتفت بعض الناس إلى أن البصل من أطول الخضار بقاء في المخازن إذا حُفظ جافاً مهوّى، فهو رمز للصبر على الزمن وللادخار الذي لا يتلف. ولذلك قد يقرأ الحلم عند من يميل إلى هذا الوجه على أن في حياة الرائي شيئاً بسيطاً سيبقى معه طويلاً، كعلم أو خلق أو علاقة. وهذه القراءة اللطيفة لا تتعارض مع غيرها، وتبقى احتمالاً من بين احتمالات متعددة. والتحذير الوحيد ألا يُعلّق الرائي عليها أكثر مما تحتمل.
ومن اللطائف أن للمخازن القديمة في البيوت حنيناً خاصاً، رائحة الخشب والتراب والخضار الجافة، وأيام كانت الأمهات تعلّق ضفائر البصل والثوم على الجدران. ولذلك قد يكون الحلم ببساطة ذكرى من ذلك الزمن الجميل. وفي هذه الحالة يكون الأجدر بالرائي أن يدعو لمن مضى من أهله وأن يتذكر بيت طفولته بابتسامة. فالحنين في ذاته عبادة قلبية من نوع ما حين يقود إلى الدعاء والوصل.
وعلى المستوى العملي والنفسي، يذكّر الحلم بقيمة التخطيط والادخار المعتدل، وبأن الاحتياط الحكيم لا يعني القلق المفرط. ويدعو إلى تفقد ما نُسي في زوايا الحياة من أمور مؤجلة وأسرار مكتومة وهموم مدفونة، فالتهوية تحفظ البصل كما تحفظ الصراحة النفس. كما يشجع على عدم الإسراف في الاكتناز، فخير الادخار ما يُنتفع به قبل أن يفسد. ومن أخذ هذه المعاني من حلمه كان قد أصاب خيراً.
وفي الختام نقول إن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار في مال أو تجارة أو زواج أو سفر. وعلى من رأى المنام أن يدعو الله بالخير ويحسن الظن به، وأن يأخذ بالأسباب ويتوكل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وتأويل الرموز محاولة بشرية قد تصيب وقد تخطئ، والله أعلم بالصواب.
