من الأحلام التي تثير العجب أن يرى النائم بصلاً بين يديه ثم يتحول إلى ذهب لامع، فتتبدل الصورة البسيطة المألوفة إلى شيء ثمين مرغوب. وهي من الصور التي قد يُسرّ بها الرائي ويتمنى أن تكون بشارة. وقد تكون صدى لأمنية في المال أو لحديث عن الأسعار أو لمشهد في قصة أو فيلم. والتفسير رمزي لا حرفي، فلا يعني ما رأيت أن ذهباً سيأتيك ولا أن مالاً سيزيد أو ينقص. وما نعرضه قراءات قديمة نتأملها بهدوء وتواضع.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط المقرون بقدر من الكدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. ويذكرون في الذهب معاني متفاوتة، منها ما يرتبط بالمال والزينة، ومنها ما يرتبط بالهمّ والتعلق بالدنيا، ويكثر اختلافهم فيه. وإذا تحول البصل إلى ذهب فقد يقرأ بعضهم ذلك رجاءً في أن يصير الرزق البسيط أرفع قدراً، وقد يقرؤه آخرون تنبيهاً إلى أن بريق الأشياء قد يخفي بساطتها. وهذه استحسانات متعارضة.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه نكد وتعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يعقبه فرج. أما الذهب فقد نُقل فيه ما هو معروف من الاختلاف بين الاستبشار والتحذير بحسب حال الرائي وهيئة ما رأى. ولا نعلم أنهم فصّلوا في تحول البصل إليه. ونحن نحكي ولا نقرر، ونتحفظ على نسبة بعض الأقوال إلى القدماء.
ويتغير المعنى المحتمل بتغير التفاصيل، فذهب نقي لامع يتحول تدريجياً غير ذهب باهت ثقيل يُرهق حامله، وتحول يسرّ غير تحول يقلق. وقد يقرأ بعضهم الأول استبشاراً هادئاً، والثاني تعلقاً بما لا ينفع. وإن كان الرائي سعيداً فرحاً فهذا ألطف ممن خاف أن يفقده. وإن رأى أنه يعطي الذهب لغيره فقد يُنظر إليه كرماً، وإن رأى أنه يخبّئه فقد يُنظر إليه حرصاً. والأهم هو شعوره بعد الاستيقاظ.
وللرجل قد تُقرأ الرؤيا حديثاً عن أمنية في مال أو ترقٍّ، وللمرأة المتزوجة حديثاً عن رجاء في سعة لبيتها، وللعازبة حديثاً عن حلم ببيت وزينة. وللتاجر عن رجاء في ربح بعد كساد. وللفلاح عن رجاء في موسم جيد. وللمريض عن رجاء في عافية. وجميع ذلك احتمالات لا يُحكم بها، وهي أقرب إلى حديث الأماني منه إلى التفسير. والأمنية في ذاتها لا عيب فيها، وإنما العيب في الجزم بتحققها.
ومن الدقائق أن يرى الرائي الذهب في قشور البصل أو في لبّه، فقد يُقرأ عند بعضهم أن في الأمر البسيط خيراً مخبوءاً، وإن رآه على سطحه فقد يُنظر إليه على أنه ظاهر لامع. وإن رأى أنه يبيع الذهب فقد يُحمل على رغبة في الحاجة، وإن رأى أنه يعود بصلاً فقد يُقرأ تنبيهاً إلى ألّا يغترّ ببريق. وإن رأى غيره يأخذه فقد يُنظر إليه على أنه غيرة أو حسد. وهذه كلها ظنون لا يُبنى عليها بيع ولا شراء.
ويجدر التنبيه إلى أن أحلام الذهب والمال من أكثر ما تميل النفس إلى تعليق الآمال عليه، وقد يندفع بعض الناس بسببها إلى مخاطرات لا مبرر لها كشراء أو إقراض أو ادخار في غير موضعه. وهذا من أعظم ما يُحذَّر منه في هذا الباب، فالرؤيا لا تُنشئ مالاً ولا تفتح كنزاً، والأرزاق مقسومة والسعي مطلوب. وفي القناعة بما قسم الله خير كثير، فلا يجعل الرائي من حلمه بوابة لطمع.
وعملياً ونفسياً، فقد تذكّر الرؤيا بأن قيمة الأشياء ليست في بريقها، فالبصل البسيط قد يكون أنفع للجسد والبيت من كثير مما يلمع. وتذكّر بأن الإنسان يحلم بالسعة لأنه يحب الأمان، وهذا شعور طبيعي. وبأن العمل المتقن والادخار المتزن والقناعة بالقليل أصول لا غنى عنها. وليكثر من الدعاء بالبركة في رزقه، والبركة في القليل خير من الكثرة بلا بركة. وليشكر الله على ما بين يديه.
وقد يكون الحلم أثراً من أخبار أسعار الذهب أو حديث عن زواج وزينة أو مشهد في عمل فني، وهذا من أشيع أسباب مثل هذه الصور. وفي هذه الحال فلا يحتاج الرائي إلا إلى أن يبتسم ويمضي إلى يومه بقلب مطمئن. وإن شعر أن الحلم أثار فيه رغبة في المال فليراجع أولوياته ويذكّر نفسه بأن الغنى الحقيقي غنى النفس، وأن الرزق الحلال البسيط نعمة تستحق الشكر.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو شراء أو بيع أو استثمار. فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس سوى قراءات بشرية قد تخطئ.
