قد يرى النائم أنه يغسل يديه ليزيل رائحة البصل، فيفركهما بالصابون أو بالماء مرات عدة، وربما يجرب أشياء أخرى لإزالة الرائحة التي تأبى أن تزول بسرعة. وهذا مشهد مألوف لمن اعتاد تقطيع البصل، فالرائحة تعلق باليد وتبقى بعد الغسل، ولذلك قد يعود المشهد في الحلم مما اعتاد عليه الرائي في يقظته. وسنذكر ما قيل في تأويله بحذر، فالأحلام رموز تحتمل التأويل المتعدد، والتأويل ظني لا يُؤخذ حرفياً.
واليد في عالم الرموز ترتبط عند المفسرين بالعمل والكسب والتصرف والقدرة، وغسلها يُقرأ على أنه تطهر من أمر أو تخلص من أثر عمل أو حرص على نظافة الكسب. أما البصل فقد ذكروا فيه رزقاً متواضعاً مع عناء، وضيقاً ودموعاً يعقبهما فرج، وكلمة حادة، وأموراً مستورة تنكشف. فغسل اليد من رائحة البصل قد يوحي بمحاولة التخلص من أثر عناء أو مشقة علقت بالرائي، أو من أثر كلمة حادة، أو برغبة في الانتقال من مرحلة متعبة إلى مرحلة أريح. وهذه قراءة عامة لا قطع فيها.
ونُسب إلى ابن سيرين في ما يُتداول عنه أن غسل اليد في المنام قد يدل على قطع صلة بأمر أو تخلص من همّ أو براءة من شيء. وذهب بعض المفسرين إلى أن الاغتسال والتنظف عموماً قد يدل على زوال الغم والتوبة والطهارة، وأن بقاء الرائحة بعد الغسل قد يدل على أثر باقٍ من الأمر. ولا بد من التنبيه إلى أن أهل التعبير اختلفوا في هذا كثيراً، وأن النقل عنهم قد يحتمل الزيادة والنقص، فنحن نصف قراءات متداولة لا نقطع بصحتها.
ويتغير المعنى بتغير الصورة، فإن زالت الرائحة بسهولة فقد يُقرأ ذلك على أن الأمر الذي يضايقه سيزول سريعاً، وإن تعسر زوالها فقد يُقرأ على أن الأثر يحتاج إلى صبر ووقت. وإن كان الرائي يغسل بهدوء فالأقرب أنه يتعامل مع الأمر بحكمة، وإن كان يفرك بعنف وانزعاج فقد يعكس ضيقاً داخلياً. ونوع الماء ونقاؤه قد يُقرآن عند المتأملين، فالماء الصافي دلالة صفاء، والمعكر دلالة كدر. ودموع الرائي إن سالت فهي علامة تنفيس.
وللرجل قد يرتبط الحلم بالرغبة في تجاوز مرحلة عمل متعبة أو الانتقال إلى عمل أريح، أو بالتخلص من أثر موقف جاف مع أحد. وللتاجر قد يشير إلى تنظيف أموره من شوائب أو تصفية صفقة عالقة. وللمرأة المتزوجة قد يُقرأ على أنه نهاية يوم طويل من العمل في البيت وحاجتها إلى الراحة، وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى رغبتها في نسيان موقف مزعج. أما الحامل فقد تتأثر أحلامها بحساسية الشم وحرصها على النظافة، فلا تحمّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن التفاصيل التي قد تدقق المعنى أن يُنظر إلى ما يستخدمه الرائي في الغسل، فالماء وحده قد يوحي ببساطة الحل، والصابون قد يوحي بتدبير أكثر، وما كان من الطيب قد يوحي بحسن الختام. ويُنظر إلى ما بعد الغسل، فإن جفف يديه وارتاح فالمعنى يميل إلى الفرج، وإن بقي يشمها فقد يعكس انشغالاً. ويُنظر كذلك إلى المكان، فالمطبخ يرتبط بالمعيشة، والحمام بالخصوصية. وهذه كلها استئناسات لا أحكام.
وعلى المستوى النفسي والعملي قد يكون الحلم دعوة إلى ألا نحمّل أنفسنا آثار الأيام الثقيلة أكثر مما ينبغي، فكما نغسل أيدينا من رائحة البصل يمكننا أن نغسل قلوبنا من الهموم بالدعاء والصفح والاستغفار. وقد يذكّرنا بأن بعض الآثار تحتاج إلى مداومة وصبر حتى تزول، كالعادات القديمة والذكريات المؤلمة، فلا نيأس إن لم تذهب بسرعة. وفي النظافة والطهارة معنى جميل في ديننا، وفيها راحة للنفس والجسد.
ومن الطريف أن كثيراً من الناس يعرفون أن رائحة البصل تعلق باليد بعناد، وأن الأمر لا يعدو أن يكون من أحوال المطبخ المعروفة. وفي هذا ما يخفف من تحميل الحلم معاني كبيرة. فإن شاء الرائي أن يأخذ منه معنى فليكن معنى التخفف من آثار التعب بحكمة، وإن لم يشأ فليبتسم وليمضِ.
ولعل من أجمل ما في هذا الحلم أنه يذكّرنا بأن العمل لأجل الآخرين يترك أثره فينا، كما تترك رائحة الطعام أثرها في يد من أعدّه. وهذا الأثر ليس عيباً بل هو علامة بذل وعطاء، يستحق الشكر لا الضيق. فلنقدّر من تعلق بأيديهم آثار خدمتنا، من أمهات وآباء وعاملين، ولندعُ لهم بالخير.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو علاقة. فليقابل الإنسان ما رآه بالدعاء وحسن الظن بالله، وليسأله طهارة القلب وراحة البال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما ذكرناه ليس إلا تأملات إنسانية.
