قد يرى النائم في منامه شخصاً عزيزاً قد توفي، ويرى معه بصلاً، كأن يقدمه له أو يأكل منه أو يقشّره أمامه. وهي رؤيا تحرّك المشاعر، لأن لقاء من فقدناهم في المنام يوقظ الشوق ويفتح باب الذكريات. ولعل البصل هنا صورة بسيطة من بيت الراحل أو مائدته أو مطبخه، التقطها العقل وهو يستعيد صورة من أحب. والتفسير في هذا الباب رمزي لا حرفي، ولا نقول فيه شيئاً عن حال المتوفى، فعلم ذلك عند الله وحده. وما نعرضه قراءات قديمة بأدب واحترام.
يذكر بعض المفسرين في البصل رمز الرزق البسيط الذي يصحبه كدّ، ورمز الدموع التي تعقبها راحة، ورمز الكلام الحاد الذي يمرّ، ورمز الطبقات التي تكشف المستور. وفي سياق رؤية الأحبة الراحلين يغلب عند المتأملين أن تُقرأ الصورة من جهة الرائي لا من جهة المتوفى، فهي تعبير عن شوقه وذكرياته وما بقي في قلبه من أثر. ولا يُحمَّل المتوفى رسالة ولا خبراً، فهذا باب لا يملك أحد القطع فيه. وهذه القراءة رقيقة محتملة وليست حكماً.
نُسب إلى ابن سيرين، فيما تتناقله الكتب المنسوبة إليه، أن البصل قد يدل على رزق فيه تعب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أكله قد يشير إلى كلام ثقيل أو هم يزول. ولا نعلم لهم كلاماً دقيقاً في اجتماع البصل بالمتوفى، فالأقوال عامة، ويبقى تطبيقها على هذه الصورة من اجتهاد من جاء بعدهم. ونحن نعرض الأقوال دون تقرير، ونتحفظ في نسبتها إلى أصحابها، ونتجنب أي جزم يخص الأموات، فأمرهم إلى خالقهم ورحمته واسعة.
ويتغير الإحساس بتغير تفاصيل الرؤيا، فإن كان المتوفى بشوشاً هادئاً والمشهد مألوفاً كمائدة أو بيت قديم، فقد يستيقظ الرائي مطمئناً ويكفيه ذلك. وإن كان المشهد حزيناً فربما كان أثراً من شوق شديد، وهو شعور إنساني لا يعاب. والبصل إن ظهر في يد الراحل فقد يكون ذكرى لعادة من عاداته أو طعام كان يحبه، فتستدعيه النفس. ولا ينبغي أن يُفسَّر ظهوره بكلام عن قبر أو حال، فهذا ما لا سبيل إليه.
وللرجل أو للمرأة أو للابن أو للابنة نفس الحال، فكل من رأى عزيزاً قد رحل يجد في قلبه ما يجد، ويختلف الأمر بحسب قرب الصلة ومدة الفراق. فمن فقد أباه قد يرى مطبخ أبيه وبصله، ومن فقدت أمها قد ترى ما كانت تعدّه من طعام. وقد يكون في ذلك استدعاء للدفء الذي كان. وهذا شأن يتفاوت من نفس إلى نفس، ولا ينبغي أن يقاس بغيره.
ومن الدقائق أن يرى الرائي أن المتوفى يمنحه بصلاً أو يطلب منه، وقد يُقرأ عند بعضهم أنه يتصل بذكرى أو صلة، لكن لا يجوز أن يُستخرج من ذلك طلب ولا وصية ولا قرار. وإن بكى الرائي في منامه فهذا من التنفيس الطبيعي، وإن ابتسم فهو من نعمة الأنس. وليست هذه الصور دليلاً على شيء في الغيب. والأحوط أن يكتفي المرء بالدعاء وبما يعلمه من الأعمال الصالحة التي يُهدى ثوابها.
وعملياً ونفسياً، فإن أنفع ما يفعله من رأى هذه الرؤيا أن يدعو لمن فقد بالرحمة والمغفرة، وأن يتصدق عنه إن استطاع، وأن يصل أهله وأحبابه ويحسن إليهم. وأن يتحدث عن ذكرياته الجميلة معه مع من يثق بهم، فالحديث يخفف عن القلب. ولا بأس بالبكاء، ولا بأس بالاشتياق. وليأخذ من الرؤيا دفئاً لا قلقاً، فالمحبة لا تنقطع بالدعاء.
وقد يحسن أن يتذكر الإنسان أن أحلام الشوق كثيراً ما تأتي في المواسم والمناسبات وفي أوقات الضيق، فالنفس تلجأ في النوم إلى من كان سنداً لها. وهذا من الرحمة التي تتيح للقلب أن يرتاح قليلاً. فلا يحمّل الرائي نفسه تفسيرات تفتح عليه باب الخوف، ولا ينشغل بالبحث في أمر من الغيب. وإنما يمضي في حياته بما يرضي ربه، ويجعل من ذكرى أحبابه دافعاً إلى الخير.
ومن التأملات التي يذكرها بعض من كتب في هذا الباب أن العقل في النوم يجمع الذكريات القديمة مع صور الطعام اليومي، لأن الحواس القديمة كالرائحة والمذاق من أقوى ما يرتبط بالذاكرة العاطفية. ولذلك فإن رائحة البصل وهو يُقلى قد توقظ في النفس صورة مطبخ قديم ووجه عزيز كان يقف عنده. وهذا ربط طبيعي مفهوم يفسر لماذا يظهر الراحلون في الأحلام مع أشياء بسيطة من حياتهم. وليس في ذلك ما يحتاج إلى غيب أو تأويل.
ويستحسن لمن رأى مثل هذا المنام أن يكتب ما يذكره من ذكريات جميلة عن الراحل، أو أن يحكيها لأهله وأولاده، فتبقى سيرته الطيبة حاضرة بينهم. وأن يجعل لنفسه عملاً صالحاً يهديه إليه كصدقة جارية أو ختمة أو دعاء. وأن يحرص على صلة رحمه ومن كان يحب. وبهذا يكون أثر الرؤيا في القلب طيباً وفي الحياة نافعاً، دون أن يتجاوز الإنسان حدود ما يعلم.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وليس مرجعاً يُبنى عليه قرار حقيقي، ولا يُستدلّ به على حال أحد من الموتى. فلنكثر الدعاء ونحسن الظن بالله الرحيم الكريم ونفوّض أمر أحبابنا إليه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما كتبناه ليس إلا قراءات بشرية قد تخطئ، نسأل الله أن يرحم موتانا وموتى المسلمين.
