حين يرى صاحب الحلم أنه يقترب بخطى هادئة من جنة جميلة، يزداد المشهد وضوحًا كلما مشى، فإن الصورة تتجه إلى معنى التدرج والتقرب بلطف. والرؤيا في أصلها صورة رمزية تتشكل من مشاعر صاحبها وأفكاره، وليست خبرًا عن واقع ولا كشفًا لغيب. ولهذا يُقرأ الاقتراب هنا على أنه معنى من معاني السير المطمئن نحو ما يحب القلب من الهدوء والجمال. وما يُذكر في هذا الباب اجتهاد عام لا يُنزَّل على أحد، ولا يُجزم به، وليس إشارة إلى قبول ولا منع.
الاقتراب في لغة الرموز يدل على التدرج والتهيؤ وعلى المسافة التي تتناقص بالصبر والخطوات الهادئة. وحين يكون المقصد جنة جميلة فإن المعنى يميل إلى طمأنينة تتسع كلما قرب المرء من أسباب الراحة، وإلى شعور بالأنس والتهيؤ الجميل. وقد تُقرأ الصورة على أنها شوق إلى سكينة أوضح، أو رغبة في السير نحو حياة أهدأ. وهي في كل ذلك رمز عام للأمل لا يعدّ خبرًا بنتيجة. وقد يبعث وضوح التفاصيل شيئًا فشيئًا في النفس انشراحًا.
وفي الجملة تبقى دلالة صورة الاقتراب بتؤدة دلالة رمزية عامة تعبّر عن قيمة اللين والتأني في السير والاقتراب دون استعجال ولا تكلف. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى المشهد نظرة هادئة بعيدة عن الجزم والتهويل. وورد في الحديث المتفق عليه أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. ولا يُنزَّل شيء من ذلك على الحلم نفسه، وإنما هو ربط عام بقيمة الرفق، وتبقى الصورة في الرؤيا رمزية لا غير، ولا يعدّ الاقتراب فيها علامة على شيء.
ويُذكر عن بعض المعبّرين في كتب التعبير المتداولة بين الناس أن السير نحو المكان الحسن في الرؤيا يُقرأ في الجملة على معنى الطلب بتؤدة وحسن القصد، وأن حال الطريق يغيّر القراءة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن المسير الهادئ يُشير في العموم إلى التأني في السعي، وهو قول يُنقل بحذر. وهذه الأقوال اختُلف في نسبتها وفي مدى الأخذ بها، ولا يُجزم بصحتها. فهي اجتهادات قديمة تُنقل بحذر، ولا يُبنى عليها قرار ولا تنبؤ بشيء.
ويتأثر فهم الرؤيا بالحال التي يعيشها صاحبها وقت الحلم. فمن كان يسعى إلى استقرار نفسي أو أسري قد تأتيه صورة الاقتراب صدى لما يفكر فيه. ومن كان قد قرأ عن مكان جميل أو شاهد صوره قد يحتفظ عقله بالمشهد. وقد تأتي الصورة في أيام مطمئنة أصلًا، فتكون مجرد امتداد لما يملأ القلب من رضا. والعاقل يربط الرؤيا بحاله أولًا، قبل أن يبحث لها عن معنى بعيد.
وللرائي أثر في الفهم دون جزم. فالطالب قد يرى في الاقتراب تدرجه في العلم خطوة خطوة، والعامل قد يرى فيه ترتيبًا هادئًا لجهده. والأم قد تفهمه صورة لسير الأسرة نحو أيام أهدأ، وكبير السن قد يقرؤه تأملًا هادئًا في مسيرته. ومن كان يحب المشي الطويل بطبعه فقد يكون المشهد عنده مجرد صدى لهذا الحب. وكل ذلك قراءات عامة تتغير بتغير الأحوال.
وتفاصيل الاقتراب ترسم لون المعنى. فإذا كانت الخطى هادئة متمهلة فالمعنى سكينة وتأمل، وإذا كان الضوء يزداد وضوحًا فالمعنى انشراح تدريجي. وإذا كانت رائحة الأزهار تقترب فالمعنى أنس وبهجة، وإذا كان الطريق ممهدًا لطيفًا فالمعنى سهولة في الشعور. وإذا توقف الرائي في الطريق يتأمل فالإحساس هو التروّي، وإن واصل المشي فهو الاستمرار الهادئ. ولا يُحمَّل شيء من ذلك معنى القبول أو الرد. والأهم أن يستحضر الرائي شعوره العام.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تذكّر الرؤيا صاحبها بأن التقدم الهادئ خير من الاندفاع، وأن الخطوات الصغيرة المنتظمة تمنح النفس طمأنينة. ويمكن أن يحدد لنفسه هدفًا بسيطًا هذا الأسبوع ويفرح عند إنجازه. وليس الحلم نصيحة طبية ولا نفسية، وإذا طال القلق أو التردد المرهق فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل الأقربين. ففي مشاركة الهم تخفيف كبير، وفي النصح الصادق راحة.
ويحسن بمن رأى هذه الرؤيا ألا يبالغ في تحليل كل تفصيلة فيها، فالصور تتداخل في المنام وتتبدل بلا ترتيب. وقد يكون جمال المشهد في الحلم أعمق من جمال ما رآه في اليقظة، لأن العقل يجمع أحب الصور إلى القلب. وخير ما تُقابل به هذه الرؤى هو الحمد والرضا والتفاؤل المتزن. وقد تبقى الصورة في الذاكرة أيامًا قليلة ثم تذهب كما تذهب سائر الصور، وليس في ذهابها ولا في بقائها ما يستدعي القلق أو التعلق. ومن تأمل هذه الصور بنظرة الشكر وجد فيها معنى لطيفًا يكفيه، ولم يحتج إلى تفسير أبعد من ذلك.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني لا يملك أحد أن يقطع به، فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وليحسن المرء الظن بربه، وليأخذ من الرؤيا معنى التأني والأمل دون تكلف ولا تعلق بتفاصيلها. وليدعُ الله أن يملأ قلبه راحة وطمأنينة وصفاء. والله تعالى أعلم.
