الطعام في بستان في المنام مشهد يجمع بين بساطة الأكل وجمال المكان، وهو من الصور التي تترك في النفس شعورًا بالرضا والاكتفاء. والرؤيا هنا صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا وعدًا بشيء من الرزق أو غيره. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول الاكتفاء والنعمة والأنس. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الطعام في الرموز يدل على الغذاء والاكتفاء والنعمة التي تقوّم حياة الإنسان، والأكل في مكان جميل يوحي بالتمتع الهادئ بما تيسر. والبستان يدل على الجمال والسكينة والمكان الذي يُستراح فيه. فإذا اجتمعا، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، اتسعت الصورة إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة الإنسان إلى الشعور بالكفاية والسكينة.
وقد قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (سورة البقرة، الآية 172)، وفي الآية ما يذكّر بصلة الطعام بالشكر. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل طعام في المنام له معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي، ولا يُراد به غير التذكير بمعنى الشكر. وإنما هو تذكير عام بأن النعمة تُقرن بالشكر. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن الطعام في المنام من الرموز المتصلة بالرزق والكفاية في الجملة، وقد ذُكر في الأكل الطيب معنى سعة الحال وطيب العيش عند بعض المعبرين. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن طيب الطعام وسكون الأكل من القرائن الحسنة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون في التفاصيل بحسب نوع الطعام وحال الآكل، ولا يُجزم بقول منها، ولا يُبنى عليها وعد بشيء. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع.
يتغير الإيحاء بحسب صورة الطعام: فالفاكهة الطازجة توحي بالنضارة، والخبز البسيط يوحي بالقناعة، والطعام الدافئ يوحي بالألفة، والمشاركة فيه توحي بالتآلف. وهل كان الرائي يأكل وحده أم مع غيره، وهل كان الطعام قليلًا يكفي أم كثيرًا، وهل شعر بالشبع الهادئ أم بالفضول، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. وما يبقى بعد الاستيقاظ من رضا هو أصدق مفاتيح القراءة، وهو المعنى الأوضح للمشهد كله.
وللرائي حاله: فمن يمر بأيام مرهقة قد يرى في الطعام المنامي شوقًا إلى اطمئنان، ومن ينشغل عن وجباته قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى جلسة هادئة. والطالب المنهك قد يرى فيها أمنية بيوم خفيف، والأم المنشغلة بتحضير الطعام لأسرتها قد ترى فيها رغبتها في أن تجلس وتستمتع بالمائدة. وكبير السن قد يجد فيها أنسًا بمجالس الطعام القديمة. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ، ولا تُعمَّم على أحد.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فالمفرش البسيط على العشب يوحي بالبساطة، وكوب الماء البارد يوحي بالصفاء، والظل الذي يغطي المكان يوحي بالراحة، والأطباق الصغيرة المتنوعة توحي بالتنوع اللطيف. وإذا ارتبط الطعام برائحة زكية فهي صورة للأنس والتوافق. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يحتاج الإنسان إلى جلسة هادئة يأكل فيها بلا استعجال بعد أيام مشغولة، فتصنع النفس صورة تجمع بين الطعام والهدوء. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بأن يجعل وجباته أكثر هدوءًا ويقدّر ما بين يديه. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر اضطراب الشهية أو القلق أو الحزن فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن الرعاية الواقعية للنفس.
ومن المعاني الطيبة أن الطعام الهادئ يعلّم القناعة، فلا يحتاج الإنسان إلى كثرة كي يرضى. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الشكر على النعمة الصغيرة قبل الكبيرة، وبقيمة تقاسم المائدة مع من يحب. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ موائد طيبة جمعته بأحبته فيحمد الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب، وقد يكون الأنفع أن يُقابَل بالشكر ثم يُستأنف اليوم بقلب أخف.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
