الشعور بالشوق في المنام إحساس رقيق يمتزج فيه الحنين بالرجاء، فهو ليس حزنًا خالصًا ولا فرحًا خالصًا، بل شيء بينهما يجعل القلب يميل إلى ما يحب. والرؤيا في هذا الباب صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا وعدًا بشيء. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول الحنين والتطلع والأمل. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الشوق في الرموز يدل على ميل النفس إلى ما تحب وتفتقد من معان: كالصفاء أو الألفة أو الطمأنينة أو أيام مضت. وحين يأتي في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تتسع إلى معنى الرجاء وحسن الظن بالله. فالشوق هنا ليس جرحًا بل حنين لطيف إلى الجمال والسكينة. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة القلب إلى ما يؤنسه ويهدئه.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (سورة الشرح، الآية 5)، وفي الآية ما يذكّر بالرجاء الذي يرافق الصبر، وهو معنى قريب من الشوق المصحوب بالأمل. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل شوق في المنام له معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي. وإنما هو تذكير عام بأن الأمل يصاحب الصبر. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن الحنين والاشتياق في المنام يُفسَّران عند بعض المعبرين بحسب موضوع الشوق وسياقه، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الاشتياق معنى تعلق النفس بما تحب في الجملة. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الشوق الهادئ المصحوب بالصفاء أقرب إلى الدلالات المحمودة من الشوق المصحوب بالاضطراب. غير أن المعبرين يختلفون في التفاصيل، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع.
يتغير الإيحاء بحسب صورة الشوق: فالشوق الذي يملأ القلب دفئًا يوحي بالحنين الجميل، والشوق الذي يخالطه سكون يوحي بالتأمل، والشوق الذي يدفع إلى الدعاء يوحي بالاتجاه إلى الله. وهل كان للشوق موضوع واضح أم كان إحساسًا عامًّا بلا اسم، وهل زال بعد الاستيقاظ أم بقي مصحوبًا بالأمل، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. والأصل في القراءة ما يبقى من أثر في النفس وما يدفع إليه من خير.
وللرائي حاله: فمن يعيش بعيدًا عن بيئته قد يرى في الشوق المنامي حنينًا إلى ما ألفه، ومن مرّ بتغير كبير في حياته قد تعبّر له الصورة عن تطلعه إلى استقرار. والطالب المغترب قد يرى فيها اشتياقًا إلى بيته، وكبير السن قد يجد فيها استحضارًا لأيام جميلة. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ، ولا تُعمَّم على أحد، ولا ينبغي أن يُستنتج منها شيء عن ماض أو آتٍ.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فالنظر إلى الأفق يوحي بالتطلع، والمشي البطيء بين الأشجار يوحي بالتأمل، والنسيم الذي يحرك الأغصان يوحي بحنين رقيق، والضوء الدافئ يوحي بالأمل. وإذا اقترن الشوق بدعاء أو ابتسامة هادئة فهو أقرب إلى الرجاء. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا الإحساس حين يحمل الإنسان في قلبه حنينًا إلى أمر يحبه، فتصوغ النفس مشهدًا هادئًا تعبّر به عنه. ولا بأس أن يتخذه الإنسان تذكيرًا بأن يتحدث بما في قلبه إلى من يطمئن إليه، وأن يدعو الله بما يريح صدره. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر الحزن أو الحنين المؤلم أو ثقل في القلب فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل، فالمواساة والسند من أصدق ما يخفف الأثقال. والحلم لا يغني عن ذلك.
ومن المعاني الطيبة أن الشوق إذا وُجّه إلى الخير صار وقودًا للسعي والدعاء، وإذا ترك صاحبه حزينًا فالأولى أن يلتمس العون من أهله ومن يثق بهم. وفي هذا ما يذكّر بأن القلب الحي هو الذي يحنّ ويرجو، وأن الرجاء بالله لا ينقطع. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ أوقاتًا جميلة مضت فيشكر الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب. وقد يكون الأنفع أن يُقابَل هذا الشعور بالشكر والدعاء بالخير، ثم يُستأنف اليوم بقلب أخف. وكل ما في الأمر صورة لطيفة تترك آثارها في النفس دون تتبع لكل تفصيل فيها.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
