الشعور بالأمان في المنام إحساس عميق يتجاوز الصور إلى ما وراءها، فهو أن يجد الإنسان نفسه مطمئنًا في موضع جميل لا يخشى فيه شيئًا. والرؤيا في هذا الباب صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا ضمانًا لشيء. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول الطمأنينة والاحتماء. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الأمان في الرموز يدل على سكون النفس وزوال القلق، وهو من أعز ما يطلبه الإنسان في أيامه. وحين يأتي هذا الشعور في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تتسع إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. والمكان الرحب الهادئ والظل القريب والسكون المحيط تجتمع كلها لتشكل مشهد الاحتماء. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة الإنسان إلى ملاذ يطمئن إليه.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ (سورة قريش، الآية 4)، وفي الآية ما يذكّر بمكانة الأمن بين النعم الكبيرة. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل شعور بالأمان في المنام له معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي. وإنما هو تذكير عام بأن الأمن نعمة عظيمة تُقدَّر. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن الأمان والسكينة من الدلالات المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الأمن معنى الاستقرار وهدوء الحال. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن الاطمئنان في المنام من القرائن الحسنة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون في تفاصيل ذلك بحسب المكان والحال، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع، ولا يُبنى عليها وعد بحماية ولا غيرها.
يتغير الإيحاء بحسب صورة الأمان: فالجدار الحجري العتيق يوحي بالثبات، والشجرة الكبيرة تحتها ظل توحي بالاحتماء، والبوابة الهادئة تفتح على بستان توحي بالمأوى، واليد الدافئة التي تمسك بيد تعطي شعورًا بالسند. وهل كان الشعور بالأمان مصحوبًا بصحبة أم بوحدة، وهل ظهر بعد قلق في الحلم أم منذ البداية، فكل ذلك يغيّر الإيحاء. وإذا بقي الأثر بعد الاستيقاظ فهو أصدق مفاتيح القراءة.
وللرائي حاله: فمن يعيش أيامًا يكثر فيها القلق قد يرى في الأمان المنامي شوقًا إلى استقرار، ومن يستعد لمرحلة جديدة قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى الطمأنينة. والطالب المقبل على اختبارات قد يرى فيها رغبة في هدوء داخلي، والأم المنشغلة بأسرتها قد ترى فيها حاجتها إلى أوقات تلتقط فيها أنفاسها. وكبير السن قد يجد فيها أنسًا بالأماكن التي ألفها. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ ولا تُعمَّم على أحد.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فالضوء الهادئ يوحي بالوضوح، والأشجار المحيطة توحي بالاحتواء، وصوت الماء الخافت يوحي بالسكينة، والسماء الصافية فوق المكان توحي بالسعة. وإذا اجتمع الأمان مع الدفء الخفيف فهو صورة للراحة العميقة. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام للصورة. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا الإحساس حين تحتاج النفس إلى ما يطمئنها بعد توتر طويل، فتبني لها صورة آمنة تركن إليها. ولا بأس أن يتخذ الإنسان من الحلم تذكيرًا بأن يوفر لنفسه أسباب الطمأنينة في يومه، كالروتين الهادئ والتواصل مع من يطمئن إليهم. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر القلق أو الخوف فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن الرعاية الواقعية للنفس.
ومن المعاني الطيبة أن الأمان الحقيقي يبدأ من قلب مطمئن بذكر الله وحسن الظن به، ثم يتبعه الأخذ بالأسباب في الواقع. وفي هذا ما يذكّر بقيمة التوكل على الله مع السعي، وبقيمة الاحتماء بذكره في كل حال. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ أوقاتًا مرّت به بسكينة فيحمد الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للامتنان والرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
