الشعور بالسكينة في المنام إحساس خفيّ لطيف، فهو هدوء يغمر النفس دون أن يكون له سبب ظاهر، ويبقى أثره بعد الاستيقاظ زمنًا. والرؤيا في هذا الباب صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا وعدًا بشيء. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول الطمأنينة والصفاء والرضا. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
السكينة في الرموز تدل على استقرار القلب وسكون الخواطر، وهي أعمق من الراحة الجسدية لأنها تمس الداخل. وحين تأتي في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تتسع إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. والهدوء المحيط والضوء اللطيف والهواء الرقيق تجتمع كلها لتشكل جوًّا من الاطمئنان. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة الإنسان إلى سكون يعود إليه.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28)، وفي الآية ما يذكّر بالصلة بين ذكر الله وطمأنينة القلب. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل سكينة في المنام لها معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي. وإنما هو تذكير عام بأن القلب يجد قرارًا عند ربه. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن السكون والطمأنينة من الدلالات المحمودة في الجملة، وقد ذُكر عن بعض المعبّرين في الهدوء والاستقرار معنى دعة الحال وسلامة الصدر. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن سكون المكان في المنام مع طيب الهواء من القرائن الحسنة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون في التفاصيل بحسب المكان والحال، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع وبلا تحميل زائد.
يتغير الإيحاء بحسب صورة السكينة: فالصمت الذي تتخلله أصوات طبيعية بعيدة يوحي بسكون حي، والماء الراكد الصافي يوحي بصفاء الخواطر، والضوء الخافت يوحي بالتأني، والتنفس الهادئ يوحي بزوال التوتر. وهل كانت السكينة مصحوبة بحركة بطيئة أم بسكون تام، وهل شعر الرائي بالخفة أم بالامتلاء، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. وإذا بقي الأثر بعد الاستيقاظ فهو أصدق مفاتيح القراءة، وهو المعنى الأوضح للمشهد كله.
وللرائي حاله: فمن يعيش ضغطًا متواصلًا قد يرى في السكينة المنامية شوقًا إلى هدوء داخلي، ومن مرّ بأيام صاخبة قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى الصمت. والطالب القلق من الاختبارات قد يرى فيها أمنية بذهن صافٍ، والعامل المنهك قد يرى فيها حاجته إلى استراحة بلا ضجيج. وكبير السن قد يجد فيها أنسًا بالهدوء الذي يحبه. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ، ولا تُعمَّم على أحد.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فخرير الماء الخافت يوحي بالصفاء، وحفيف الأوراق يوحي بالحركة الرقيقة، والضباب الخفيف يوحي بالغموض اللطيف، وانعكاس الضوء على الماء يوحي بالسكون المتلألئ. وإذا اجتمعت السكينة مع رائحة زهور أو عشب ندي فهي صورة للتناغم. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا الإحساس حين تتوق النفس إلى هدوء بعد ضجيج طويل، فتصنع صورة تنسجم مع رغبتها في الصفاء. ولا بأس أن يتخذه الإنسان تذكيرًا بتخصيص وقت يومي للسكون، كالجلوس الهادئ أو الدعاء أو التأمل أو المشي في مكان طيب. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر القلق أو اضطراب النفس فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن الرعاية الواقعية للنفس.
ومن المعاني الطيبة أن السكينة لا تُشترى ولا تُفرض، بل تنزل في القلب حين يهدأ ويرضى. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الدعاء وحسن الظن بالله، وبأن القلب يستريح حين يسلّم أمره إلى ربه مع الأخذ بالأسباب. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ أوقاتًا هادئة مرّت به فيحمد الله عليها. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للامتنان والرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
