عبق الطيب في المنام إحساس يتجاوز النظر إلى الشم، فهو رائحة زكية تملأ المكان فيبقى أثرها في الذاكرة بعد الاستيقاظ. والرؤيا هنا صورة رمزية تنسجها النفس من ذاكرتها ومشاعرها، وليست خبرًا عن أمر غائب ولا وعدًا بشيء. ويمكن أن تُقرأ بوصفها لغة من المعاني تدور حول الصفاء والأنس وحسن الذكر. وما يأتي اجتهاد هادئ لا يُجزم به ولا يُبنى عليه توقع.
الطيب في الرموز يدل على حسن الذكر ونقاء الأثر وطيب الصحبة، فالرائحة الزكية لا تُرى لكنها تُحس وتبقى. وحين يمتد العبق في بستان جميل، وهو ما يسميه بعضهم رؤية الجنة على سبيل المجاز، فإن الصورة تتسع إلى معنى الأنس والرجاء وحسن الظن بالله. والهواء الرقيق الذي يحمل الرائحة يضفي على المكان صفاءً. وهي في الجملة معانٍ نفسية عن حاجة النفس إلى ما يعطّر أيامها.
وورد في الحديث الصحيح بمعناه أن النبي ﷺ شبّه الجليس الصالح بحامل المسك، فإما أن يعطيك أو تشتري منه أو تجد منه ريحًا طيبة، وهو حديث متفق عليه. وفيه تذكير بقيمة الصحبة الطيبة وأثرها الباقي كالعطر. وهذا الاستشهاد لا يعني أن كل رائحة في المنام لها معنى ديني بذاته، ولا يُنزَّل على حلم أو على حال الرائي. ويبقى الربط عامًّا لا يتعلق بحال أحد.
تذكر كتب التعبير أن الروائح الطيبة من الرموز المتصلة بحسن الذكر في الجملة، وقد ذُكر في الطيب والمسك معنى الثناء الحسن وطيب الأثر عند بعض المعبرين. وذهب آخرون من المعبّرين في بعض ما نُقل عنهم إلى أن طيب الرائحة مع صفاء المكان من القرائن الحسنة في الأصل. غير أن المعبرين يختلفون في التفاصيل بحسب نوع الطيب ومصدره، ولا يُجزم بقول منها. فتبقى هذه الأقوال إشارات عامة تُقرأ بتواضع وبلا تحميل زائد.
يتغير الإيحاء بحسب نوع العبق: فرائحة الزهور توحي بالنضارة، وعبق الأعشاب الندية يوحي بالصفاء، ورائحة المسك والعود توحي بالوقار، وعبق التراب بعد المطر يوحي بالتجدد. وهل كانت الرائحة خفيفة أم قوية، وهل عرف الرائي مصدرها أم لم يعرفه، وهل بقيت في ذاكرته بعد الاستيقاظ، فكل ذلك يضيف لونًا إلى المشهد. وما يبقى من شعور بالانتعاش هو أصدق مفاتيح القراءة، وهو المعنى الأوضح للمشهد كله.
وللرائي حاله: فمن يمر بأيام كثيرة الضغط قد يرى في العبق المنامي شوقًا إلى ما ينعش النفس، ومن يعيش وسط الزحام قد تعبّر له الصورة عن حاجته إلى هواء نقي. والطالب المنهك قد يرى فيها أمنية بذهن صافٍ، وكبير السن قد يستحضر بها روائح ديار ألفها. وكل ذلك احتمالات تتبع حال كل رائٍ، ولا تُعمَّم على أحد، ولا يُستنتج منها شيء عن حاله أو عن أمر قادم.
وفي التفاصيل ألوان إضافية: فالنسيم الذي يحمل العبق يوحي بالرقة، والأزهار المتناثرة توحي بالتجدد، وتتابع الروائح من زهرة إلى أخرى يوحي بالتنوع اللطيف، والضوء الدافئ يوحي بالألفة. وإذا كان العبق غير معروف المصدر فهو إحساس عام بالجمال لا يحتاج إلى تفسير. ولا يُراد من هذه التفاصيل الجزم بشيء، فهي ألوان تُضاف إلى المعنى العام. وهي قراءات ظنية لا أكثر، تُقال بحذر ولا تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
من الناحية النفسية، قد يظهر هذا المشهد حين يحتاج الإنسان إلى ما ينعش حواسه بعد أيام رتيبة، فتصنع النفس صورة تجمع بين الرائحة والجمال. ولا بأس أن يتخذه تذكيرًا بأن يمنح نفسه فسحة قصيرة في مكان طيب الهواء أو بين النباتات. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، فإذا استمر القلق أو الحزن أو فقدان الإحساس بالروائح فالأولى الحديث مع مختص أو مع أحد الأهل. فالحلم قد يمنح صورة مريحة، لكنه لا يغني عن الرعاية الواقعية للنفس.
ومن المعاني الطيبة أن الإنسان يستطيع أن يكون طيب الأثر بكلمته ولطفه وحسن معاملته كما تكون الزهرة طيبة العبق. وفي هذا ما يذكّر بقيمة الخلق الحسن الذي يبقى بعد صاحبه كالعطر. وقد يستحضر الرائي حين يستيقظ أشخاصًا طيبي الأثر مرّوا بحياته فيدعو لهم بالخير. وحسن الظن بالله يجعل هذه الصورة بابًا للرضا. ولا يُنتظر من الحلم أكثر من هذا الأثر الطيب، وقد يكون الأنفع أن يُقابَل بالشكر ثم يُستأنف اليوم بقلب أخف. وكل ما في الأمر صورة لطيفة تترك آثارها في النفس دون تتبع لكل تفصيل فيها، وهذا الباب كله مجال للاجتهاد.
وفي الختام، فكل ما ورد هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد لا يصيب، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. والأولى أن يحسن الإنسان الظن بربه، وأن يدعوه بالطمأنينة وصلاح الحال، وأن يمضي إلى يومه بقلب هادئ. والله أعلم.
